انتقدت صحيفة "لوموند" الفرنسية دعم حكومة بلادها للدكتاتور عبدالفتاح السيسي، وتعزو الصحيفة الفرنسية أسباب هذا الدعم إضافة إلى التغاضي عن جرائم السيسي وقمعه وانتهاكاته الواسعة لحقوق الإنسان إلى صفقات السلاح الضخمة التي أبرمها نظام السيسي مع الشركات الفرنسية حتى تحولت فرنسا إلى أكبر مصدر للسلاح لمصر في المنطقة.

وقالت "لوموند" إن المشتريات غير المسبوقة من قبل الجيش المصري للأسلحة والمعدات العسكرية الفرنسية في عهد السيسي جعلت باريس تغض الطرف تماما خلال السنوات الماضية عن القمع السياسي الشامل للأخير وانتهاكاته الصارخة لحقوق الإنسان في الدولة العربية.

وتكشف الصحيفة الفرنسية أن لكل من الحكومتين السعودية والإماراتية دور كبير في تسويق السسيسي ونظامه في الدوائر الغربية والعواصم الأوروبية؛ فالدولتان مولتا انقلاب السيسي ضد الرئيس الراحل محمد مرسي، وشجعتها باريس على احتضانه حيث قدم السيسي نفسه لباريس بوصفه حصن ضد الإرهاب. حيث استقبله فرنسا في 2014م.

وتضيف "لوموند" أن عملية التغاضي عن قمع "السيسي" مقابل شراء جيشه مبيعات أسلحة فرنسية بدأت في عهد الرئيس "فرانسوا أولاند" الذي استقبل ووزير دفاعه في حينها "جان إيف لودريان" ، "السيسي" في نوفمبر2014 بعد 6 أشهر من جلوسه على عرش مصر. وخلال الزيارة أعرب "السيسي" عن نيته وقتها شراء 24 طائرة "رافال"، وكانت تلك هي أول عملية بيع تصديرية تتحقق لمقاتلة "رافال" التي تصنعها شركة "داسو" الفرنسية.

وبحسب التقرير فقد حلقت طائرات "الرافال" فوق قناة السويس، تحت تصفيقات حارة من السيسي والرئيس الفرنسي السابق أولاند خلال افتتاح تفريعة قناة السويس في أغسطس 2015م. في الوقت الذي كان يتفاوضان فيه على صفقة سلاح جديدة تضم حاملتي هليكوبتر من طراز "ميسترال"، متجهة حتى ذلك الحين إلى روسيا.

وذكرت الصحيفة أن عمليتي شراء "رافال" و"ميسترال" حددت مسار العلاقة بين "فرنسا مصر السيسي"، حيث أصبحت القاهرة بالفعل شريكًا تجاريًا رائدًا لباريس، وبدعم مالي من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، البلدين الزبونين الرئيسيين لقطاع صناعة الأسلحة الفرنسية.

وبحسب أحدث تقرير صادر عن مجلس الشيوخ الفرنسي بشأن صادرات المعدات الحربية لمصر، احتلت مصر المرتبة الثالثة بأكثر من 6.6 مليارات يورو في المبيعات خلال الفترة 2011-2020.

وأشار مستشار المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية "دوني بوشار" إلى أن فرنسا استفادت من علاقات "السيسي" السيئة مع الرئيس الأمريكي "باراك أوباما"، ثم على مضض مع "دونالد ترامب"، وأيضا رغبة السيسي في تنويع مصادر تسليحه. 

ولفتت الصحيفة إلى أن هناك أمرا آخر ساعد في احتضان باريس لـ"السيسي" وهو إعلان تنظيم "الدولة" الخلافة في العراق وسوريا، وجذبه لآلاف الجهاديين الأجانب وتشجيعه على شن هجمات إرهابية في أوروبا. وفي غضون ذلك أصبحت مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية منذ ذلك الحين في قلب الشراكة الاستراتيجية الثنائية بين القاهرة وباريس، مع مراعاة موضوع يقلق الجانبين على نفس المستوى وهو ما يتعلق بزعزعة الاستقرار في ليبيا.

وذكرت الصحيفة أن فرنسا لم تكترث في عهد "أولاند" ولا خلفه "إيمانويل ماكرون"، في إعطاء دروس للسيسي بشأن القمع الواسع الذي يمارس تحت غطاء مكافحة الإرهاب، من خلال ممارسة أساليب الاعتقالات التعسفية والتعذيب والاختفاء القسري ومحاكمات جماعية، تواصل منظمات حقوق الإنسان التنديد بالإسكات القسري للأصوات الناقدة للنظام، سواء كانوا إسلاميين أو معارضين علمانيين أومن اليسار.

وفي أوائل 2021، قدمت حكومة السيسي طلبية شراء 30 طائرة "رافال" جديدة. وهو ما أثار أسف "إيمريك إيلوين"، مسؤول الدفاع عن الأسلحة في منظمة العفو الدولية، الذي وصف العلاقة بين باريس والقاهرة بأنها علاقة من طرف واحد، وبأن فرنسا لا تستفيد منها كثيرًا. فرنسا والشعب المصري هما الخاسران الكبيران في هذه العلاقة، حيث يتم مكافأة انتهاكات حقوق الإنسان باستمرار.

ويتزامن تقرير "لوموند" مع التحقيق الاستقصائي الذي بدأ موقع «ديسكلوز» الفرنسي، نشره يوم الأحد 21 نوفمبر 2021م، حول تورط المخابرات الفرنسية مع نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في قتل مئات المصريين الأبرياء بدعوى الحرب على الإرهاب المزعوم، فقد استخدمت أجهزة السيسي معلومات استقصائية وفرتها فرنسا من خلال مهمة عسكرية سرية في مصر، لاستهداف مهربين مدنيين على الحدود المصرية الليبية. واعتمد «ديسكلوز»، في تقريره، على المئات من الوثائق العسكرية الفرنسية السريّة التي حصل عليها من خلال أحد المصادر دون تسميته، الأمر الذي يعني أنها معلومات موثوق في صحتها. ويبرهن على ذلك أن المهمة العسكرية المُشتركة بين البلدين التي سُميّت «سيرلي» كان هدفها توفير معلومات استخباراتية عن المسلحين الذين يشكلون خطرًا إرهابيًا على مصر من خلال حدودها الغربية مع الجارة ليبيا التي تشهد انفلاتا منذ الإطاحة بنظام الدكتاتور معمر القذافي. لكن أعضاء فريق الاستخبارات الفرنسي لاحظوا استخدام الجانب المصري للمعلومات لاستهداف مهربين لا علاقة لهم بالإرهاب، وقد أبلغ أعضاء الفريق الفرنسي رؤساءهم بهذه التجاوزات عدة مرات.

التقرير لا يتهم نظام السيسي وأجهزته فقط، بل يتهم أيضا الدولة الفرنسية في عهدي الرئيسين فرانسوا هولاند وخلفه إيمانويل ماكرون الرئيس الحالي، فقد تورطت أجهزة المخابرات الفرنسية عبر خلية سرية تواجدت في مرسى مطروح منذ فبراير 2016م، في استهداف 19 هدفًا مدنيًا خلال الفترة ما بين عامي 2016 و2018، وذلك بتوفيرها معلومات استخباراتية مكّنت الجانب المصري من تنفيذ هذه الهجمات. وغالباً ما دمرت تلك الغارات عدة سيارات، وقد يصل عدد الضحايا إلى عدة مئات. ووفقاً لمعايير القرار رقم 56/83 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإنَّ تواطؤ فرنسا في عمليات الإعدام غير القانونية هذه أمر مؤكد.

وواصل "ديسكلوز" نشر الجزء الثاني من التحقيق يوم الأربعاء 24 نوفمبر 2021م، حيث كشف عن دعم شركات فرنسية برعاية حكومة باريس لنظام السيسي بتقنيات تكنولوجية لملاحقة النشطاء عبر برامج تجسس إلكترونية متطورة.

Facebook Comments