تذهب ورقة بحثية أعدها "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" في نهاية مارس الماضي "2021م" إلى أن إجراء الانتخابات الفلسطينية سيفرز تفوقا لحركة "حماس"، مشيرا بشكل خاص إلى الانقسامات الداخلية في "فتح"، والتي "قد تتجاوز ما توقعه (رئيس السلطة) محمود عباس". ولم يستبعد التحليل أن يقرر عباس تأجيل موعد الانتخابات بالنظر إلى الانقسامات الداخلية داخل حركته، مقابل "الوحدة النسبية لخصومه"، فضلا عن "الأضرار التي يمكن أن تلحقها نتائج معينة بالعلاقات الفلسطينية مع الغرب"، بحسب معهد واشنطن.
التحليل يؤكد في الوقت ذاته أن "عام 2021 ليس عام 2006"، على الرغم من أوجه التشابه بين الديناميكيات الحالية وتلك التي كانت سائدة قبل عقد ونصف. واستدرك بالقول إن "هناك اختلافات مهمة تجعل من الصعب التنبؤ بنتيجة الانتخابات. وإذا حصلت عملية الاقتراع فعليا هذا العام، فستخضع لقانون انتخابي مختلف يجعل من الصعب على حزب واحد الفوز بأغلبية ساحقة". وخلص إلى أنه "قد تواجه الحركة صعوبات لتصوير نفسها على أنها حزب يحكم بشكل جيد ونظيف، كما فعلت في عام 2006".
وفي المحصلة ــ بحسب التحليل ــ تبدو "حماس" في وضع أفضل لخوض الانتخابات، و"إذا فاز أعضاء هذه الحركة – التي صنفتها الولايات المتحدة على لائحة الإرهاب – بمقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني الذي أعيد إحياؤه، فستخلّف نتائجها تداعيات كبيرة على السياسة الأمريكية تجاه السلطة الفلسطينية وعملية السلام في الشرق الأوسط". وختم بالقول: "لتجنب أي حسابات فلسطينية خاطئة، على إدارة (الرئيس الأمريكي جو) بايدن أن تراقب عن كثب هذه التطورات وتوضح انعكاساتها الثنائية".

انشقاقات فتح وتماسك حماس
وبحسب الكاتب والمحلل السياسي "ساري عرابي" فإن من بين 36 قائمة انتخابية، لانتخابات المجلس التشريعي المفترض إجراؤها في 22 مايو المقبل، انقسمت قوائم حركة فتح إلى ثلاث قوائم، بالإضافة إلى انتشار العديد من كوادرها في قوائم تصف نفسها بالمستقلة، في حين قدّمت حماس قائمة واحدة متماسكة، وإن كان بعض أفرادها قد يشاركون في قوائم مستقلة، وهو أمر من شأنه أن يدعو للتأمّل، من هذه الحيثية، بغضّ النظر عن النقاش حول جدوى هذه الانتخابات وصوابيّتها، أو حول آثار هذا المشهد على نتائج الانتخابات وحظوظ الكتل.
وفي تحليله للمشهد الفلسطيني قبل الانتخابات التشريعية المرتقبة، يرى "عرابي" أن حركة فتح والسلطة الفلسطينية تحظى بحرية الحركة والعمل باعتبارها حزب السلطة التي وجهت كل قدراتها بعد الانقسام سنة 2007م لفرض مشروعها السياسي بأدوات السلطة والعمل على الجماهير عن الاهتمام بالشأن العام، وكان من صوره العمل الحثيث والمستمرّ على تفكيك البنى التنظيمية لحركة حماس في الضفّة الغربية، بذريعة الانقسام. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ حماس حركة محظورة في قوانين الاحتلال، الحاكم الحقيقي لكامل مجال الضفّة الغربية. فهي، والحالة هذه، عانت طويلاً من حملة استهداف مزدوج، ترك نتائج عميقة على حضورها التنظيمي وقدرتها على الحركة.
بالرغم من ذلك ــ بحسب الكاتب ــ تمكنت حركة حماس من تشكيل قائمتها بلا أي حساسيات داخلية تذكر، ولا في أي مستوى من مستواياتها، ولا في أي منطقة من مناطق السلطة الفلسطينية، سواء في الضفّة الغربية أو في قطاع غزّة. صحيح أن جمهوراً واسعاً في الحركة بدا زاهداً في هذه الانتخابات، ونخبة في أوساطها قدّمت نقداً مركّزاً لهذا المسار لأسباب موضوعية وتاريخية، الأمر الذي يقطع الطريق على أيّ منافسة داخلية جادّة، إلا أنّ الأمر في جوهره أبعد من ذلك. فحماس تملك ظروفاً مناسبة للعمل التنظيمي داخل قطاع غزّة، مما يتيح لها العمل العلني والهادئ في المستويات غير العسكرية، بينما تكاد تستوي في الضفّة الغربية كلّ قطاعات العمل في الحركة. فمجرّد الانتماء للحركة أو تقديم خدمات لها يكفي للاعتقال، أجواء شفافة

ويتضاعف هذا الاحتمال بحسب مستوى النشاط وموقع المسؤولية، وهو أمر يتعارض بالضرورة مع متطلبات العمل العامّ، الذي يحتاج قدراً كبيراً من العلنية والأريحية وحرّية التحرّك. ومع ذلك كلّه، تمكّنت حماس من اختيار أعضاء قائمتها في الضفّة الغربية، دون أن ينعكس ذلك في أيّ شكل من "الحَرَد أو التمرد" الداخلي، دون أن يعني ذلك مثالية الآلية والخيارات، للظروف سالفة الذكر.
قبل ذلك كانت حماس قد أجرت انتخاباتها الداخلية في قطاع غزّة، في أجواء شفافة وشبه علنية، شهدت منافسة واضحة بين رمزين قياديين فيها، على نحو لم يمسّ بنية الحركة وتماسكها. وهي في الوقت الجاري تجري انتخاباتها الداخلية في كلّ من الضفّة الغربية وخارج فلسطين، بطرق وأدوات وآليات تناسب الظروف الخاصّة لهذه المواقع الجغرافية، على الطريق لانتخاب الهيئات التنفيذية والشوريّة وتشكيل الأجهزة التنظيمية العامّة.

الرابط بين تشكيل حماس قائمة واحدة بلا حساسيات مُلاحَظة، شخصية أو جهوية، وبين انتخاباتها الداخلية، هو قدرتها على الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في ظروف انفصال جغرافي، ببيئات عمل متباينة، بعضها قاس للغاية، وذلك مقابل ظاهرة الانشقاق والاختلاف التاريخية في فتح، مع ملاحظة أن الظروف الموضوعية تخدم فتح بالضرورة، كونها تحكم ساحة الضفة الغربية، ولا تتعرض للاستهداف الأمني، والحصار الإقليمي والدولي الذي تتعرض له حماس.
ويؤكد الكاتب أن ظاهرة الانشقاق في فتح تاريخية، منذ تأسيس الحركة، لكن الفارق بين أمس واليوم أن الانشقاقات القديمة قامت على أسس فكرية وسياسية وأيديولوجية لأن الحركة كانت سابقا تضم تيارات فكرية وسياسية متباينة. أما انشقاقات فتح اليوم فهي شخصية بامتياز ، والخلافات التي تعصف بها حاليا شخصية صرفة، وفي أحسن أحوالها تنادي بالإصلاح التنظيمي، لتخليص الحركة من حالة الهيمنة المركزية السلطوية عليها، وهي الحالة التي تقصي العديد من المصالح والشخصيات ومراكز النفوذ، دون أن يطرح المخالفون للخطّ الرسمي للحركة مقاربات سياسية جديدة تعيد النظر في المسار السياسي الراهن.
وينتهي إلى أنّ تصفية حركة فتح بوصفها حركة تحرّر وطني، وتكثيفها حزباً لسلطة محكومة بإكراهات الاحتلال، ألغى نهائيّاً التباينات البرامجية والسياسية في الحركة، وقضى على تنوع التيارات فيها، لصالح تعاظم شبكات المافيا فيها، وبما يركّز الصراعات داخل الحركة على النفوذ والحصص في السلطة، وهو أمر بالغ الخطورة على المستوى الوطني.

Facebook Comments