يرى مراقبون أن مصطلح "انقلاب" بات حرفة لا يجيد حبكها -في المنطقة هذه الأيام- سوى محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، وعليه انعكست الأحداث التي تجري في المملكة الأردنية منذ يوم السبت 3 أبريل 2021م وتوابعها المستمرة خلال الأيام الماضية، والمتوقع – بحسب رؤيتهم – أن تعود لسابق عهدها في القريب العاجل؛ بعد أن أعلنت الحكومة الأردنية تحديد إقامة الأمير حمزة بن الحسين الأخ الأصغر للملك عبدالله الثاني، إضافة لاعتقال العشرات أبرزهم الشريف حسن بن زيد المقيم في الغالب بالسعودية ومبعوث الملك الأردني إلى الرياض، وباسم إبراهيم عوض الله رئيس الديوان الملكي السابق، ووثيق الصلة بمحمد دحلان ومدير إحدى الشركات الإماراتية "طموح" والمعروف أيضا بقربه من "بن زايد" وظله "محمد بن سلمان"، إضافة إلى المستويات الإقليمية المتداخلة في الأردن لاسيما في تل أبيب.
وفي السياق الإقليمي، لا تنفك الأردن -التي تدبر أغلب مواردها على الدعمين الدولي والإقليمي- عن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، فصحيفة "نيويورك تايمز" أكدت ما ذكرته صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية من أن "المسؤولين في الأردن وضعوا إسرائيل في صورة ما يجري داخليا" على الرغم من حديث عن "خلاف" الأردن الرسمي والصهيوني.
أيمن الصفدي في إحاطته عصر الأحد عن وضع البلاد بظل الانقلاب، لفت إلى أن "رئيس الأركان المشتركة -الأمريكي- التقى أمس بالأمير حمزة لإيصال هذه الرسالة وطلب منه التوقف عن كل التحركات والنشاطات التي تستهدف أمن الأردن واستقراره، غير أن سموه لم يتجاوب وتعامل مع هذا الطلب بسلبية لم تلتفت إلى مصالح الوطن وشعبه". وفي تحليل الزيارة واللقاء الأمريكي والوضع في الأردن -المستقرة بحسب المحللين- قالت "رويترز ": "أدى الانتقاد العلني غير المسبوق للنظام الملكي الأردني من قبل أحد كبار أفراد العائلة المالكة، والذي تم وضعه رهن الإقامة الجبرية، إلى زعزعة صورة البلاد كجزيرة استقرار في الشرق الأوسط".
أما صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية فاعتبرت أن "اعتقال الأمير حمزة رسالة واضحة بأنه لن يتم التسامح مع أي معارضة أو انتقاد ضد الملك عبد الله الثاني". الإعلام الغربي يشير إلى تورط مباشر من ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، بعد معلومات غير مؤكدة وشائعات تؤكد منع سفير دوله خليجية من مغادرة الأردن بعد أن أعلن بيان الملك عن الأزمة أن الانقلاب "معقد وذو أبعاد"، وأعلنت الداخلية الأردنية رصدها "تسجيلات صوتية بين السفير -لم يظهراسمه إلى الآن ولا اسم دولته – وبين باسم عوض، إلا أن نشطاء أشاروا إلى أن محتواه تدخل فاضح وتحريض مباشر ضد الأردن!


مزاعم انقلاب
النشطاء في مصر، وبحكم "العشرة" مع الانقلاب العسكري القائم منذ يوليو 2013، رأى بعضهم أن الانقلاب مزاعم وأن الأمر لا يعدو خلاف عائلي ونزاع ولاءات. حساب "ضد الانقلاب" @smg2907 قال: "بالنسبة لموضوع انقلاب الأردن المزعوم !!.. نحن لم نر دبابات على الأرض أو أى تحركات للجيش أو أي شيء يوحى أن هناك انقلابا كما حدث فى تركيا عام 2016.. كل ما وصلنا عبارة عن تصريحات الدولة الأردنية؛ لذلك أنا غير مقتنع بالموضوع، وأعتقد أنها تسوية لخلافات أسرية معينة". أما الدكتور حمزة زوبع قال عبر حسابه @drzawba : "خلاصة الموضوع .. ما حدث ليس محاولة انقلاب بل تدبير احتياطي في مواجهة خطر محتمل ..نتيجة ازدياد شعبية الأمير حمزة".
https://twitter.com/i/status/1378720114497949697
أنصار هذا الرأي استعانوا بحديث أدلت به الملكة نور زوجة الملك الراحل الحسين بن طلال وكذبت فيه محاولة الانقلاب المزمع في الأردن. وهو ما صرحت به بعد ظهور الأمير حمزة في تسجيل ثان مصور، رد فيه على بيان رئيس الأركان الذي طُلب منه فيه "التوقف عن تحركات توظف لاستهداف أمن الأردن"، ونفى وجود "أي أجندة خارجية أو مؤامرات من خلف الكواليس، ويقول إنها أكاذيب الهدف منها التغطية على ما قال إنه تراجع في الوطن كل يوم".


صراع الورثة
البروفيسبور الإماراتي يوسف اليوسف قال إن الصراع الذي يحصل في الأردن بين أعضاء الأسرة الحاكمة ليس محصورا في الأردن وحده، فهو يعبر عن تاريخ النظم الوراثية كلها في المنطقة مع تفاوت حدة الصراع، ولا يتطلب من الأحرار أن يعيشوا في مأتم وإنما عليهم أن يدركوا بأن النظام الوراثي بطبيعته غير مستقر ولا عادل. وأوضح أن عدم استقراره ينبع من أنه "يفتقد إلى آليات تداول السلطة بين أعضاء الأسرة الواحدة، فطالما أن الحكم محتكر من الأسرة فكل عضو فيها سيرى أنه أحق بالحكم، ولا حل لذلك إلا بالملكيات الدستورية المقيدة كبريطانيا وغيرها. وعن كونه غير عادل قال: "لأنه يجعل السلطة محتكرة من قبل أسرة بعينها ويستبعد بقية شرائح المجتمع من المناصب القيادية الرئيسية؛ وهذا أمر ما أنزل الله به من سلطان، ولم يأمر به دستور في السماء أو دستور عادل في الأرض".
بدوره قال الدكتور فوزي السنهوري المحلل السياسي، رأى أن ما حدث بالأمس يشكل مرحلة مهمة في مستقبل الأردن، ولأول مرة نرى أحد أفراد الأسرة الهاشمية يحرض على أمن واستقرار المملكة الأردنية، كما ورد في البيان الحكومي وبيان رئيس أركان القوات المسلحة. وأضاف أن الأمير حمزة كانت تربطه بعض العلاقات مع بعض القوى الحركية التي تقوم باحتجاجات بين الفترة والأخرى اعتراضا على السياسات الحكومية ومعارضة النظام الأردني من حيث المبدأ، مضيفا أن التغريدات التي غرد بها الأمير حمزة لا تشكل سببا رئيسيا لوضعه قيد الإقامة الجبرية ولكن ما ذكره وزير الخارجية في المؤتمر الصحفي أيمن الصفدي، وأنه يتواصل مع قوى معارضة بالخارج ويقوم بتسريب معلومات لها ضد مصلحة الأردن يشكل جريمة خطيرة يستدعي اتخاذ إجراء ضده. وأوضح أن القرارات التي تم اتخاذها شملت شخصيات مقربة من الأمير وليست ضد الأمير، ولكن عدم استجابته لتعليمات رئيس الأركان يضعه في مأزق، مضيفا أن السلطات ستحيل كل الموقوفين إلى محكمة أمن الدولة وسيتم عقد محاكمة علنية لهم وفق الدستور الأردني. ولم يكن يعتقد أن عبد الله الذي حكم المملكة منذ وفاة الملك حسين في 1999 واجه معارضة منظمة خطيرة طوال فترة حكمه التي استمرت عقدين.
وبحسب محللين فإن تحقيق التوازن بين القبائل القوية في البلاد إلى جانب تضاؤل الإيرادات، والبرلمان القابل للاشتعال وسلسلة من الحكومات الهشة كانت صعبة بشكل خاص منذ انتشار وباء "كوفيد-19". ولكن كان يُنظر إلى المملكة على نطاق واسع على أنها معقل للاستقرار في منطقة مضطربة.

دور بن سلمان
وكانت إحدى نقاط الاحتكاك هي علاقة الأردن بجارته القوية، المملكة العربية السعودية، التي دعمت المملكة تاريخياً مالياً، ولكن موقفها تجاه عمان تحول في عهد الأمير محمد. وكان الأردن يخشى أن يكون قد ازداد تهميشاً في المنطقة مع تزايد نفوذ بن سلمان على السياسة الخارجية السعودية. فقد استمدت عمان ذات يوم من وضعها كمحاور رئيسي في العالم العربي مع إسرائيل، ولكن مع ارتفاع درجة حرارة العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل وتوقيع الدولة اليهودية "لصفقات سلام" مع الحلفاء السعوديين، تضاءل هذا الدور.
ويُعتقد أيضاً أن بن سلمان أقل قلقاً بشأن الضغط من أجل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، مما يزيد من احتمال أن يُنظّم الأردن بشكل كامل عدد سكانه الفلسطينيين المهمين أو يستوعب أجزاء من الضفة الغربية المجاورة – وهما احتمالان يُنظر إليهما على أنهما تهديدان لوجود النظام الملكي الأردني.
كانت التقارير عن التدخل السعودي في العروض الأردنية شائعة، كجزء من صراع استمر عقوداً من أجل النفوذ بين المؤسستين الملكيتين. كما سيطر الهاشميون الذين يحكمون الأردن على الأماكن المقدسة بما في ذلك مكة المكرمة والمدينة المنورة حتى استولى عليها آل سعود قبل ما يقرب من قرن من الزمان. وكانت عمان أصدرت العام الماضي بيانا جاء فيه وجود تهديد لوصاية عبد الله على المسجد الأقصى، ثالث الحرمين الشريفين في الإسلام، وأحد أهم أسباب شرعية عائلته، وسط شائعات بأن إسرائيل قد تعترف بسيطرة السعودية على الموقع في إطار اتفاق دبلوماسي أوسع بين الطرفين.

 

 

Facebook Comments