بكل عزم وإصرار يمضي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لحماية الديمقراطية في بلاده من دسائس ومؤامرات الخونة من الجنرالات سواء أولئك الذين لا يزالون في الخدمة متخفين أو أولئك الذين جاهروا بالتمرد والعصيان في بيان الـ103 الأخير الذي وقع عليه جنرالات متقاعدون داعين الجيش إلى التدخل في السياسة من جديد والانقلاب على الديمقراطية والرئيس المنتخب وحكومته بإرادة الشعب الحرة.
البيان الأخير للجنرالات المتآمرين حذر من محاولة طرح اتفاقية "مونترو" موضوعًا للنقاش، واعتبروها الوثيقة الأساسية لأمن الدول المشاطئة للبحر الأسود. وهي الاتفاقية التي فرضتها القوى الدولية على تركيا سنة 1936م في عصر رئيس الانقلاب مصطفى كمال أتاتورك الذي خضع للدول الكبرى وقبل بالاتفاقية التي حددت رسوم عبور قليلة لا تحقق لأنقرة سيادتها الكاملة على ممراتها المائية.
كما دعا بيان الضباط القوات المسلحة إلى التدخل في السياسة من جديد بدعوى الحفاظ على القيم الأساسية للدستور(القيم العلمانية التي وضعها أتاتورك)؛ فيما يعتبر تحريضا سافرا للجيش للانقلاب على النظام الديمقراطي والحكومة المنتخبة بإرادة الشعب الحرة. كما دان بيان الجنرالات المتآمرين ما أسماها بالجهود الرامية إلى إظهار الجيش وقوات البحرية بعيدين عن المسار المعاصر الذي رسمه مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك. وذلك تعليقا على صورة لأحد جنرالات القوات البحرية حاليا والذي ظهر بزي صوفي لإحدى جلسات الذكر الصوفية! واعتبر مراقبون ذلك شكلا من أشكال التمييز والعنصرية ووصاية على ضباط الجيش التركي ومنعهم من ممارسة معتقداتهم وشعائرهم الدينية بدعوى الحفاظ على علمانية المؤسسة العسكرية والدولة التركية. وتساءل البعض: ماذا عن الجنرالات الذي يظهرون في مواخير للبغاء وسهرات الجنس والخمر؛ هل كان هؤلاء الجنرالات الخونة ليدينوا هذه السلوكيات المنحرفة؟ وماذا لو كان هذا الجنرال الكبير شوهد في حفل شذوذ جنسي؛ هل كان هؤلاء ليدينوا تصرفه وسلوكه؟! أم أن هؤلاء المتآمرين لا ينكرون إلا من التزم بدينه وحافظ على سلوكه وأخلاقه اتساقا مع الإسلام ومبادئه؟!

إجراءات صارمة
لم يبد الرئيس التركي أي ضعف أو رحمة بهؤلاء المتآمرين؛ ذلك أن الرحمة بالظالمين هو في حد ذاته ظلم للمستضعفين والمضطهدين والمظلومين، وعلى الفور شنت فرق مكافحة الإرهاب التركية حملة اعتقال، بحق بعض هؤلاء الأدميرالات المتقاعدين الموقعين على البيان. وأوضحت صحيفة صباح التركية، أن فرق مكافحة الإرهاب داهمت منازل 14 من الموقعين على البيان وعددهم 103، وجرى اعتقال 10 منهم في كل من أنقرة وإسطنبول وكوجالي.
وأشارت إلى أن نائب المدعي العام في مكتب التحقيق بالجرائم الإرهابية فيسيل كاتشماز، حدد كافة المشاركة في البيان في الدعوى التي فتحت يوم الأحد 4 أبريل 2021م، والأشخاص الذين على صلة بهم، وأمر بوضع المعتقلين حتى الآن رهن التوقيف. ولفتت إلى أن 4 من المطلوبين، تم تفتيش منازلهم والتحفظ على كافة الأدلة فيها، لمنع إتلافها، وطلب منهم المثول خلال 3 أيام أمام الشرطة بسبب وضعهم الصحي.
واتخذت السلطات التركية أول قرار بحق الموقعين على البيان، واشتمل إلغاء حقي السكن المجاني والحماية الممنوحة لهم. وذكرت صحف تركية أن التحقيقات تركزت على ما إذا حصلت اتصالات بين المتقاعدين وجهات بالداخل والخارج. فضلا عن ما إذا حدثت اتصالات مع ضباط في الخدمة الفعلية، أو قادة آخرين غير القوات البحرية أو تم الضغط على أشخاص من أجل التوقيع على البيان. ولفتت إلى أن اللغة المستخدمة، والمصطلحات الواردة في البيان، مماثلة لتلك البيانات التي كان جنرالات يصدرونها سابقا إبان سيطرة الجيش، في حين قالت وسائل إعلام تركية إن التحقيقات ستتعمق بعد إفادات الذين جرى توقيفهم، وستجرى فحوصات للأجهزة الرقمية.

الجيش يرد على المتآمرين
وردت وزارة الدفاع في بيان يوم الأحد بأن "نشر البيان لن يؤدي إلا إلى إلحاق الضرر بديمقراطيتنا". وأضافت أنه لا يمكن استخدام القوات المسلحة وسيلة لتحقيق "الغايات والأطماع والآمال الشخصية لمن ليس لديهم أي مهمة أو مسؤولية". واعتبرت الوزارة أن الذين لا يرون ولا يريدون أن يروا إنجازات الجيش التركي، الذي يعد جسدًا واحدًا بقواته البرية والبحرية والجوية، هم أولئك الذين أعماهم الطمع والجشع والحسد، حسب تعبير البيان.

من جانبها اعتبرت الحكومة التركية ما جرى هو استحضار لانقلاب عسكري جديد يطيح بالنظام الديمقراطي؛ وقال وزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلو، إن بيان الضباط المتقاعدين، بشأن قناة إسطنبول التي يعتزم الرئيس رجب طيب أردوغان شقها لتخفيف الضغط عن مضيق البوسفور، أسلوبا يستحضر لانقلاب. وأضاف أوغلو -في اتصال مع إحدى وسائل الإعلام المحلية، إن قناة إسطنبول لا تؤثر على اتفاقية مونترو (الخاصة بحركة السفن عبر المضائق التركية) وإن الاتفاقية ليس لها تأثير كذلك على مشروع القناة.
وعاد وزير الخارجية ليقول إن البيان جاء بأسلوب استحضار الانقلابات كما كان في السابق، كما وصفه بأنه بمثابة مذكرة (عسكرية) مؤكدا على دفاع الرئيس أردوغان والحكومة عن الوطن الأزرق (المياه الواقعة تحت السيادة التركية) وعن مصالح البلاد. وأضاف أن الذين يقفون وراء البيان لا يعنون منه اتفاقية مونترو، وإنما يستهدفون الرئيس أردوغان وحكومته وتحالف الشعب (يضم حزب العدالة والتنمية، حزب الحركة القومية). كما تطرق جاويش أوغلو إلى بيان وزارة الدفاع، واصفا إياه بأنه أفضل رد على ما قاله الضباط المتقاعدون.

قناة إسطنبول الجديدة
والشهر الماضي، صادقت أنقرة على مشاريع لتطوير قناة للشحن البحري في إسطنبول أسوة بمشاريع قناة بنما والسويس، ويعتبر مسؤولون أتراك أن القناة الجديدة تكتسي أهمية حيوية لتخفيف الضغط عن مضيق البوسفور بإسطنبول الذي يعد ممرا أساسيا للتجارة العالمية. واتفاقية مونترو وقعتها تركيا عام 1936، لتنظيم مرور السفن المدنية والعسكرية من مضيق إسطنبول، ومن أهم بنودها منع السفن التي يزيد وزنها على 15 ألف طن من السفن الأجنبية مرور مضيق إسطنبول.
ويطلق على مشروع "قناة إسطنبول" اسم "مشروع العصر"، بحسب وكالة الأناضول التركية، فإن هذا المشروع هو أضخم عمل سيتم إنجازه في تاريخ الجمهورية التركية؛ والذي أعلن عنه أردوغان لأول مرة حينما كان رئيساً للوزراء سنة 2011م.
وتقول تركيا إن مشروع القناة سيعزز مكانتها في مجال المعابر المائية، لكونه سيربط بين بحر مرمرة والبحر الأسود في الشق الأوروبي من إسطنبول. تهدف الحكومة التركية من خلال إنشاء قناة إسطنبول، إلى التخفيف من حركة السفن في مضيق البوسفور، كما تسعى إلى التقليل من الأضرار التي تبعثها السفن الناقلة للمواد الخطيرة، فضلاً عن إزالة الأبنية العشوائية الواقعة على المسار.
تقول التقارير الرسمية التركية إن القناة (تبلغ طولها نحو 45 كم) ستدرُّ على تركيا نحو 8 مليارات دولار سنوياً، تسهم في تعويضها عن 10 مليارات دولار حُرمت منها بفعل تسعيرة المرور المخفضة عن السفن التي تعبر مضيق البوسفور، تبعاً لاتفاقية مونترو. كما تشير البيانات إلى أن عائدات القناة الجديدة ستغطي خلال عامين فقط تكاليف المشروع، البالغة نحو 15 مليار دولار، وستحوِّل مضيق البوسفور التاريخي إلى خطٍّ ثانوي للتجارة البحرية. وتنبع القيمة الأهم للقناة من عدم خضوعها لاتفاقية مونترو، ما يسمح لتركيا بجباية 5.5 دولار عن كل طنٍّ من البضائع وحمولات السفن التي تعبرها يومياً.

Facebook Comments