ماتت امرأة علمانية عمرها تسعون سنة أنفقت جُلَّها فى التشكيك فى الإسلام ولمز نبيه وإسقاط كل قبيح على شريعته، فضجت شبكات التواصل بالفرح لموتها، فاستهجن البعض تلك الشماتة لائمًا الفرحين، مدعيًا أنها لا تجوز، فصارت «مكلمة» بين الطرفين.

وهذا التلاسن ليس جديدًا، بل يتكرر مع موت أو حلول كارثة بأحد هؤلاء العلمانيين أو الموالين للنظام من السياسيين والإعلاميين وغيرهم.

والشماتة أمرٌ فظيع بالنسبة للأحياء؛ من أجل ذلك استعاذ منه النبى ﷺ قال: «اللهم إنى أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء…»؛ إذ هى كالقرص فى نفوس من تصيبهم لما تجلبه عليهم من قهر وتحقير، قال الشاعر: (كلُّ المصائب قد تمرُّ على الفتى… فتهون غير شماتة الأعداء).

والناظر إلى المشموت بهم من أمثال هذه المرأة يجدهم على أخلاق واحدة؛ ما يستحقون به الشماتة ويصدق فيهم قول الله تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 45]، وقول النبى ﷺ: «..والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب».

فالأولون والآخرون منهم على قواسم مشتركة؛ من التخلى عن المحامد الفطرية من المروءة والوفاء والعدل والصدق، فهم يدوسون على قيم وأعراف المجتمع، فضلًا عن أوامر ونواهى الدين. لماذا؟ لأجل مصالحهم المحدودة..

إنك ترى الرجل منهم ينسى أنه رجل (أبو جهل يلطم أسماء، وهو زعيمٌ فى قومه)، وترى المرأة تفقد حياءها وتهين نفسها لأجل شهرة أو مغنم على اختلاف مغانم اليوم. وكلهم يجمعهم الكبر والجهل، والرعونة المقترنة بالغباء البيِّن، وانطماس البصيرة..

فلا تعجب إذًا إن رأيتهم يعطون ظهورهم للإنسانية إذا تعارضت مع مبتغاهم، بل قد يشعلون النار فى الأوطان لئلا تفوتهم تلك الحياة الرخيصة التى يقاتلون من أجلها.

إننا أمام علمانى متبجح يصدم الملايين بطعنه فى دينهم، ويجد من يحميه ويوفر له الحراسات الخاصة موهمًا من حوله بأهميته وشرفه، ناهيك عن تلميعه وجعله نجمًا وقائد رأى، وخلع ألقاب مثل «المفكر» و«المجدد» و«المنظِّر» عليه وهو لا يفرِّق بين التيمم والوضوء..

أو أمام إعلامى مدلِّس يتحرى الكذب، يرضى بالوضاعة وبأن يكون خادمًا فى أحط مواضع الخدمة لأولياء نعمته من الرؤساء والسلاطين. أو أمام سياسى مخادع، متلون باع آخرته بدنيا غيره.

ماذا يتصرف الرجل إذًا لو علم بموت أو بحلول كارثة بأحد هؤلاء؟ من الطبيعى إذا كان بالغًا عاقلًا: أن يحمد الله أن أراه آيته التى لا تتخلف فيه، وأن كفَّ عنه أذاه.

وهناك أمثلة مخزية كرَّست الشماتة فى مجتمعنا المبتَلى بعدما قسَّمه الانقلابيون إلى قسمين، فرأينا من توزع الشربات لمقتل ابن جارتها فى «رابعة»، وسمعنا عمن يبلِّغ عن جاره ويشرد أسرته بعد اعتقاله لأنه علم أنه يتابع «الجزيرة»، وسمعنا عمن منع دفن جثمان ابن بلدته القادم من «رابعة»، كما سمعنا عمن أرغم جاره على الرحيل من سكنه لأنه «إخوانى».

أليس هذا كافيًا لأن يشمت الشامتون؟ أليس من حق من حُرق بيته أو دُمرت شركته ونُهبت محتوياتها أن يشمت فيمن فعل هذا بل فى أنصار «الشعب الآخر» جميعًا؟

شمت الناس يومَا فى مهندس المحلة الذى ظهرت ابنته الشابة فى «فيديو» إباحى مع مدرب الكاراتيه، ثم سُجن ابنه الأكبر فى جريمة سرقة بالإكراه، ومات ابنه الصغير أثناء ممارسته لعبة على «النت»، واتهم هو فى جريمة اختلاس ولبس النقاب فى النيابة ثم هرب خارج البلاد، كما شمتوا فى «المخرج» مصور سهرة 30 يونيو بعد نشر أفلامه الإباحية، وكلاهما أطلق لفظ «جهاد النكاح» على العفيفات، فجاء الجزاء من جنس العمل، وحُق للمضارين أن يشمتوا كما حُق ذلك لأمثالهم ممن قُتل أبناؤهم إذا علموا بموت من حرّضوا على هذا القتل أو تضامنوا مع القاتل.

إن البر لا يبلى والذنب لا يُنسى، وإن زارع العدل يحصد الحُبَّ، أما زارع الحقد فيجنى الشماتة؛ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة: 7، 8]، و(مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ..) [النساء: 123].

لقد بعث الله النبيين لهداية البشر ونشر السلام، والحض على الوئام بين الناس، وكذلك يفعل الزعماء العباقرة والمصلحون، لكن فى كل مجتمع تجد من يسعى إلى الحرب وزرع الفتنة، فيسير بين الناس حاملًا بذور الوقيعة، وفى النهاية لا يحرق إلا نفسه.

لقد جاهد «حُيى بن أخطب» فى عداوة النبى ﷺ بكل ما أوتى، رغم علمه بنبوته، كبرًا وغرورًا، وقد قال لأخيه يومًا: «عداوته ما حييت» لغير سبب، غير أنه اعترف لما قُدِّم للقتل عقب غزوة الخندق أن مسعاه خائب وأنه ضال مضل فقال: «من غالب اللهَ يُغلب».

نعم! من غالب الله يُغلب، ومن حق المظلوم أن يفرح بتلك الغلبة، وأن يشمت فيمن شمتوا فيه من قبل؛ (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: 120]..

ولو كانت الشماتة غير جائزة ما سجد «أبو بكر» يوم هلاك «مسيلمة الكذاب»، وما سجد «الشعراوى» يوم هزيمة الظالمين، وما أعلن «إبراهيم النخعى» فرحه يوم موت «الحجاج»، وما فرح «الإمام أحمد» لموت رأس الفتنة «ابن أبى دؤاد» مؤكدًا جوازها بقوله: «ومن لا يفرح بهذا؟». قال العلماء: «إذا جاز لك الدعاء عليهم ألا يجوز لك الفرح بهلاكهم؟».

Facebook Comments