يقول تعالى فى سورة البقرة (109، 110): (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) صدق الله العظيم.
1) الحالة النفسية لأهل الكتاب من قبلنا "يهود ونصارى" يشرحها القرآن فى مواضيع عدة، وهنا يركز على رغبتهم الدفينة أن يردوا المؤمنين والمسلمين إلى الكفر، والسبب هو الحسد والغيرة النفسية والحقد الذى يأكل قلوبهم.
2) الغريب أن هذا الحال يكون مع تبديل وجه الحق لهم فى رسالة الإسلام وشريعته التى تعاملهم معاملة خاصة دون الناس، وتحقق لهم العدل والمساواة.
3) الأعجب هو الطريقة التى أمرنا الله بها بمعاملتهم وفق القانون الذى حدده لنا فى سورة الممتحنة: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أن تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ أن اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ . إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وظَاهَرُوا عَلَى إخْرَاجِكُمْ أن تَوَلَّوْهُمْ ومَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
وهنا يأمرنا سبحانه بالعفو والصفح حتى يأتى الأمر من عند الله؛ لأن الرغبات الحبيسة فى الصدور والتى لم تتحول إلى (قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وظَاهَرُوا عَلَى إخْرَاجِكُمْ) ليس من العدل أن يتم مواجهتها كجريمة، بل تحتاج إلى علاج نفسى بالعفو والصفح، لعل وعسى، وهنا نفهم الفاصلة القرآنية (إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وهى ختام الآية.
4) يستمر الأمر الإلهى لنا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وذلك ثباتا على الدين وإقامة للشريعة، فهو الخير لنا لأننا سنلقى به أعظم الجزاء عند الله سبحانه البصير بما نعمل والخبير بمكنون الصدور.
5) هناك من أهل الكتاب طوائف مختلفة عديدة (ليسوا سواء) ولذلك يحضنا الله على قواعد التعامل معهم، فلا نتابعهم على ملتهم، ولا نأمن لنصحهم، ولا نواليهم أو ننصرهم، ولا نستعين بهم إلا فى مسائل حياتية عادية، ونحسن إليهم ونبرهم ونعدل معهم، فهم لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ويجب هنا وضع الآيات والأحاديث معا جنبا إلى جنب حتى تتضح لنا معالم الصورة كاملة، مع فهم أسباب النزول وخلفية كل موقف.