حتى نضع الموضوع في إطاره الطبيعي، فليس الأمر دفاعا عن الإخوان مثلا، فالطرح قد يكشف نقاط ضعف وأخطاء وقع فيها الإخوان من باب التقويم الذي جعلته مسارا دائما لي منذ أن مارست نشاطي السياسي والعام عبر الحركة الاسلامية وتوجتها بالانضمام لحزب الحرية والعدالة، لكن هذا لم يمنعني من قول ما أؤمن به وأختلف فيه عما يجرى في المجال السياسي والإعلامي أحيانا، مثل برنامج الحزب الذي أعلن عنه عام 2007، وتصريحات غير موفقة حول بعض الأحداث بعد الانقلاب العسكري؛ ليس هنا مجال حصرها أو الحديث عنها. فأصل الموضوع في هذه المقالة أنه ليست القضية عودة تنظيم، بل استعادة وظيفة اجتماعي.!
وهنا يصبح من الخطأ اختزال السؤال في: هل ينبغي أن يعود الإخوان المسلمون إلى ممارسة النشاط الاجتماعي كما كان قبل تموز/يوليو 2013؟ فدراسة الموضوع كشفت أن ما كان موجودا قبل ذلك التاريخ لم يكن مُلكا لتنظيم واحد، وإنما شبكة اجتماعية أوسع شارك فيها الإخوان، وجمعيات إسلامية مستقلة، وأطباء ومدرسون ومهندسون وتجار ومتطوعون، ومساجد ولجان زكاة، ونقابات ومؤسسات خيرية.
كما كشف البحث والدراسة أن التجربة لم تكن خالية من الأخطاء: اختلط أحيانا الدعوي بالحزبي والاجتماعي، وضعفت الحدود المؤسسية، وغابت درجات كافية من الشفافية، وأصبح ارتباط بعض المؤسسات بأشخاص أو تنظيمات سياسية مصدر ضعف لها عندما تغيرت موازين السلطة.
التعامل بعد 2013 لم يقتصر على محاسبة أفراد على أفعال محددة، بل شمل التحفظ على أعداد كبيرة من الجمعيات والمدارس والمستشفيات والمؤسسات المرتبطة أو المنسوبة إلى الإخوان، في سياق أوسع من تشديد الرقابة على المجال الأهلي
وفي المقابل، كشفت الدراسة أن التعامل بعد 2013 لم يقتصر على محاسبة أفراد على أفعال محددة، بل شمل التحفظ على أعداد كبيرة من الجمعيات والمدارس والمستشفيات والمؤسسات المرتبطة أو المنسوبة إلى الإخوان، في سياق أوسع من تشديد الرقابة على المجال الأهلي.
لذلك فالسؤال المستقبلي ليس كيف نستعيد الماضي؟ بل: كيف يستعيد المجتمع المصري قدرته على التكافل والتنظيم وخدمة الأسرة، وكيف تستطيع الحركات ذات المرجعية الإسلامية المشاركة في ذلك دون إعادة إنتاج أخطاء التجربة السابقة؟
الفكرة الأولى: ماذا خسرت مصر فعلا؟
لا تسمح الأدلة التي جمعناها بالقول إن مصر فقدت العمل الخيري بعد 2013 كلية، فهذا غير صحيح، فقد استمرت جمعيات كثيرة، وظهرت مبادرات جديدة أغلبها فردية، وأعلنت الدولة أنها توسعت في برامج الحماية الاجتماعية حتى لو لم يتحقق فعليا بشكل كامل على الأرض ومتأخرا جدا. ففي آب/ أغسطس 2026 أعلن عن برنامج تكافل وكرامة وحده يغطي 4.7 مليون أسرة، أي نحو 17 مليون شخص، بميزانية سنوية تبلغ 54 مليار جنيه، فهل هذا تحقق فعلا؟
كما ظهر التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، الذي قدمته الدولة باعتباره إطارا لتنسيق جهود المجتمع المدني ودعم شبكة الحماية الاجتماعية، وصدر القانون رقم 171 لسنة 2023 لتنظيمه، ثم لائحته التنفيذية في 2024، لكن أين أثاره على أرض الواقع؟
إذن لم تختف الحماية الاجتماعية، لكن ما تغير هو تركيبتها، وهنا يمكن تلخيص ما ترجحه الدراسة في أن مصر فقدت أو أضعفت فيها خمسة عناصر:
أولا: التعددية المؤسسية: وجود عدد كبير من الجهات المستقلة القادرة على المبادرة.
ثانيا: الشبكات المحلية: المعرفة المباشرة بالأسرة المحتاجة داخل الحي والقرية.
ثالثا: رأس المال التطوعي: الطبيب والمدرس والمهندس والتاجر والشاب الذين يقدمون الوقت والخبرة لا المال فقط.
رابعا: العلاقة بين القيمة الدينية والفعل الاجتماعي: تحويل الزكاة والصدقة وكفالة اليتيم وعيادة المريض والإصلاح بين الناس من موعظة إلى ممارسة منظمة.
خامسا: القدرة المجتمعية المستقلة على امتصاص الصدمات: وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون من أهم النقاط التي وجهت اتهاما من البعض للإخوان بأنهم كانوا سببا بخدماتهم في إطالة مدة حكم مبارك الذي امتد ثلاثين عاما لمنعهم التدهور السريع لحياة الأغلبية من المصريين الذين يعيشون عند خط الفقر أو تحته!
الفكرة الثانية: المفارقة التاريخية الكبرى
فقد حدث شيئان في مصر في الفترة نفسها تقريبا (2013-حتى الآن): تقلص جانب من شبكة المجتمع الإسلامي المستقلة، وفي المقابل اتسعت حاجة المواطنين إلى الحماية الاجتماعية، فالفقر ارتفع، والقوة الشرائية تعرضت لضغوط كبيرة، وتراجع الجنيه، وارتفعت أسعار الغذاء والخدمات، وأصبحت شرائح من الطبقة الوسطى أكثر هشاشة. ثم وجدت الدولة نفسها مضطرة إلى توسيع شبكة الحماية الاجتماعية بدرجة غير مسبوقة.
وهذه مفارقة تستحق التأمل، فعلى مستوى الدولة في 2015 كان تكافل وكرامة يخدم نحو 1.7 مليون أسرة، ثم وصل العدد إلى 4.7 مليون أسرة في 2025–2026، لا يعني ذلك أن كل هذه الأسر أصبحت مكتفية او تجاوزت خط الفقر، ولا يعنى أن الفقر زاد بسبب غياب الجمعيات الإسلامية، ولا يعني أن شبكة الإخوان القديمة كانت تستطيع وحدها إنقاذ الاقتصاد المصري، لكن الرقم يخبرنا بشيء آخر: حجم الحاجة الاجتماعية التي ينبغي أن تتعاون الدولة والمجتمع على مواجهتها أصبح هائلا.
الفكرة الثالثة: الدولة لا تستطيع وحدها
من اللافت أن الخطاب الرسمي المصري نفسه أصبح يعترف عمليا بهذه الحقيقة، فرئاسة النظام المصري وصفت التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي بأنه ركيزة في عملية التنمية ودعم شبكات الأمان الاجتماعي، وأشادت بقدرة مؤسسات المجتمع المدني على الوصول السريع إلى الأسر والفئات المستهدفة وتقديم الخدمات لها، وهذا الاعتراف مهم جدا، فهو يعني أن المبدأ الذي قامت عليه الشبكات الاجتماعية القديمة لا يزال صحيحا: الدولة تحتاج المجتمع.
قد تختلف المؤسسات، وقد تختلف علاقاتها السياسية، لكن الوظيفة نفسها باقية. فالدولة تستطيع إنشاء قاعدة بيانات ضخمة للمستفيدين، لكن الجمعية المحلية قد تعرف أن أرملة بعينها لم تعد تستطيع شراء دوائها هذا الأسبوع، والدولة تستطيع تحويل معاش، لكنها لا تستطيع وحدها إرسال متطوعة كل أسبوع إلى طفل فقد أباه.
الفكرة الرابعة: الأمن والمجتمع.. معادلة تحتاج إلى إعادة ضبط
تأكد لنا كذلك أن الحس الأمني كان حاضرا بقوة في علاقة الدولة بالمجال الإسلامي، ثم بالمجتمع الأهلي بدرجات مختلفة، ولا يمكن تجاهل الأسباب التي دفعت الدولة إلى ذلك؛ في إطار صراع سياسي وتحريض على التيار الإسلامي وتطرف بعض فروعه وتشويه صورة الإسلاميين.
لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الاشتباه بديلا عن الدليل، والانتماء بديلا عن الفعل، والوقاية الأمنية سببا في إضعاف المبادرة الاجتماعية السلمية، وكان مراجعة معادلات العلاقة والتصرف بحيث تراقب المال، ولا تجرم الفكرة؛ تحاسب على الجريمة، ولا تعاقب على الهوية؛ تمنع تمويل العنف، ولا تمنع التطوع.
طبّق القانون على المؤسسة، ولا تجعل موقف مؤسسها السياسي معيارا لخدمة الفقير، فهذا لا يضعف الأمن، بل يمكن أن يقويه؛ لأن المجتمع الذي يجد فيه الشاب مجالا مشروعا للخدمة والانتماء والتطوع يكون يأقل حاجة إلى البحث عن قنوات مغلقة أو سرية للتعبير عن نفس.!
الفكرة الخامسة: المجال القانوني موجود.. لكن الثقة هي التحدي
يوجد اليوم إطار قانوني مختلف عن قانون 70 لسنة 2017؛ فقانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019 ولائحته التنفيذية الصادرة في 2021 ينظمان الجمعيات والمؤسسات الأهلية، ويتضمن القانون بابا مستقلا للتطوع وصندوقا لدعم مشروعات الجمعيات، وتقدم الدولة القانون باعتباره خطوة نحو تحرير وتنظيم العمل الأهلي، بينما لا يزال منتقدون يرون أن جوانب من الإطار القانوني والممارسة التنفيذية تمنح الإدارة مجالا واسعا للتدخل.
إذن المشكلة ليست نصوص القانون وحدها، المشكلة الأعمق هي الثقة. هل تثق الدولة في المجتمع المستقل؟ وهل يثق المجتمع بأن نشاطه القانوني لن يتحول لاحقا إلى دليل اشتباه سياسي؟ وهل يثق المتبرع بأن أمواله تصل إلى المحتاج؟ وهل يثق المواطن بأن الجمعية لا تستخدم حاجته للحصول على ولائه؟ فمن دون إعادة بناء هذه الثقة لن تكفي القوانين وحدها.
الفكرة السادسة: ماذا ينبغي للحركة الإسلامية أن تستعيد؟
بعدما حدث من انهيار للعمل الأهلي الجاد، ليست الأولوية استعادة المكاتب والمقار، بل الأولوية هي استعادة الوظائف.
– الأسرة: مراكز تأهيل قبل الزواج، وساطة وإصلاح أسري.
– دعم الأرامل والأيتام: مساعدة الأسر التي فقدت عائلها، برامج الأبوة والأمومة، مواجهة العنف الأسري والإدمان والتفكك، الرعاية الصحية.
– عيادات منخفضة التكلفة: قوافل طبية، صناديق علاج الحالات المكلفة، شبكات الأطباء المتطوعين، الوقاية والكشف المبكر.
– الاهتمام بالتعليم: دعم الطلاب غير القادرين، تقوية مجانية أو منخفضة التكلفة، مكافحة التسرب، التدريب المهني، دعم المتفوقين، محو الأمية الرقمية.
– التنمية الاقتصاد: التدريب للعمل، المشروعات الصغيرة، مساعدة الأسرة على الانتقال من الإعانة إلى الإنتاج، صناديق الطوارئ.
والأهم: منع الطبقة المتوسطة الهشة من السقوط إلى الفقر.
الفكرة السابعة: استعادة الهوية بالفعل لا بالشعار
من أهم الخسائر التي ناقشناها في الفكرة السابقة هي احتمال تراجع بعض المساحات التي تتحول فيها القيم الدينية إلى ممارسة اجتماعية، ولذلك فإن استعادة الهوية لا ينبغي أن تعني تكثير الخُطب، بل تكثير الأفعال التي تجسدها.
إذا أردنا أن يتعلم الشاب معنى "وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ"، فأفضل درس ليس محاضرة عن الإيثار فقط، بل أن يشارك في إطعام أسرة. وإذا أردنا تعليمه "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، فليشارك في خدمة مريض.
وهكذا تصبح الهوية: عبادة + خلق + خدمة + مسؤولية؛ لا مجرد انتماء سياسي.
الفكرة الثامنة: الفصل الكامل بين الدعوي والحزبي والخيري
وهذه ربما تكون أهم مراجعة ينبغي أن تخرج بها الحركة الإسلامية من تجربتها. ينبغي ألا يكون رئيس الحزب هو رئيس الجمعية، ولا المرشح الانتخابي موزع الإعانات، ولا المستشفى واجهة تنظيمية، ولا المدرسة طريقا للتجنيد السياسي، ولا يحتاج المستفيد إلى معرفة من يدير التنظيم لكي يحصل على علاجه.
يجب أن تكون المؤسسة الخيرية ذات شخصية قانونية مستقلة، ومجلس أمناء مستقل، وحسابات مستقلة، وإدارة مهنية، ومراجعة مالية خارجية، ويجب أن يكون معيار المستفيد: الحاجة؛ لا العضوية أو التدين أو الموقف السياسي.
الفكرة التاسعة: الخدمة للجميع
إذا أرادت حركة ذات مرجعية إسلامية أن تستعيد ثقة المجتمع، فهذه ربما تكون أقوى رسالة: المستشفى الإسلامي يعالج المسلم والمسيحي، والمؤيد والمعارض، والمتدين وغير المتدين، لأن المريض إنسان قبل أن يكون ناخبا؛ والجمعية تساعد الأرملة لأنها محتاجة، والطالب يحصل على المنحة لأنه متفوق وغير قادر، والطبيب يتطوع لأن إنقاذ الإنسان قيمة دينية وإنسانية. هنا تتحول المرجعية الإسلامية من أداة فرز إلى دافع للخدمة العامة.
الفكرة العاشرة: المسيحي الوطني شريك لا مستفيد فقط
وهذه خطوة ينبغي أن تكون واضحة في النموذج الجديد؛ ليس المقصود أن تنشئ الحركة الإسلامية مؤسسة "لخدمة المسيحيين"، بل أن تكون المؤسسات الاجتماعية المصرية مفتوحة لمشاركة المسلمين والمسيحيين أبناء الوطن الواحد معا حيث تسمح طبيعة المؤسسة بذلك.
طبيب مسلم بجوار طبيب مسيحي، متبرع مسلم ومتبرع مسيحي، شابان يوزعان الطعام معا؛ فهذا يحول العمل الاجتماعي إلى أداة لإعادة بناء النسيج الوطني بدل أن يكون مجالا للاستقطاب.
الفكرة الحادية عشر: من "أهل الثقة" إلى "أهل الكفاءة"
هذه مراجعة أخرى ضرورية؛ ليس كل شخص صالحا لإدارة مستشفى لأنه مخلص، ولا لإدارة مدرسة لأنه ملتزم، ولا لإدارة ملايين الجنيهات لأنه موثوق أخلاقيا، فالمؤسسة الحديثة تحتاج: طبيبا لإدارة الطب، ومحاسبا للمال، وقانونيا للعقود، وأخصائيا اجتماعيا للحالات، وخبيرا للبيانات، ومديرا محترفا للمؤسسة، الإخلاص شرط أخلاقي، لكنه ليس بديلا عن الكفاءة.
الفكرة الثانية عشر: الشفافية هي الحماية الجديدة
إذا كان أحد أسباب سهولة اتهام المؤسسات القديمة هو غموض العلاقة بين التنظيم والمال والجمعية، فإن أفضل دفاع في المستقبل ليس الخطاب بل الشفافية.
تنشر المؤسسة سنويا: كم جمعت؟ ومن أين؟ وكم أنفقت؟ وعلى ماذا؟ وكم مستفيدا؟ وكم موظفا؟ وكم متطوعا؟ وما راتب الإدارة العليا؟ ومن راجع الحسابات؟ ثم يأتي مراقب حسابات مستقل، وتتاح آلية شكوى للمستفيد، عندئذ يصبح الدفاع عن المؤسسة قائما على الوثيقة لا الثقة الشخصية.
الفكرة الثالثة عشر: الثورة الرقمية في التكافل
الشبكة القديمة كانت تعتمد كثيرا على المعرفة الشخصية، ويمكن الاحتفاظ بهذه الميزة مع إضافة التكنولوجيا، يمكن بناء نظام يحفظ، مع حماية الخصوصية: احتياجات الأسرة، الدعم الذي حصلت عليه، العلاج، التعليم، المهارات، فرص العمل، والهدف المطلوب لإخراجها من الاحتياج.
وهنا يحدث التحول الكبير، فبدلا من سؤال: "ماذا نعطي الأسرة هذا الشهر؟"، نسأل: ماذا تحتاج الأسرة لكي لا تحتاج إلينا بعد ثلاث سنوات؟
الفكرة الرابعة عشر: الزكاة من الإغاثة إلى بناء الإنسان
هناك أموال ضخمة تتدفق سنويا في مصر في صورة زكاة وصدقات وتبرعات، لكن قياس مجموعها بدقة صعب بسبب الطبيعة غير الرسمية لجزء كبير منها، والتحدي ليس فقط زيادة المال، بل زيادة كفاءته الاجتماعية.
يمكن تقسيم العمل إلى:
– إنقاذ: غذاء ودواء وطوارئ.
– حماية: يتيم وأرملة ومسن ومريض مزمن.
– تأهيل: تعليم وتدريب وعلاج قابل للاسترداد الوظيفي.
– تمكين: أدوات عمل ومشروع ومهنة.
– استقلال: خروج الأسرة من دائرة الاحتياج.
وعندئذ يصبح النجاح الحقيقي ليس كم فقيرا ساعدنا؟ بل: كم فقيرا لم يعد فقيرا؟
الفكرة الخامسة عشر: حماية الطبقة الوسطى قبل سقوطها
هذه إضافة تفرضها الأزمة الاقتصادية الحالية، فالعمل الخيري التقليدي ينتظر حتى يصبح الإنسان فقيرا، والنموذج الجديد ينبغي أن يتدخل قبل ذلك.
موظف فقد عمله لمدة ستة أشهر، طبيب شاب لا يستطيع تجهيز عيادته، أسرة أصاب عائلها مرض، طالب جامعي متميز قد يترك الدراسة، صاحب مشروع صغير مهدد بالإغلاق، هؤلاء ليسوا دائما "فقراء، بالمعنى التقليدي، لكن إن لم يساعدهم أحد اليوم فقد يصبحون مستفيدين دائمين غدا. وهكذا يصبح التكافل وقائيا لا إسعافيا فقط.
الفكرة السادسة عشر: الشراكة مع الدولة دون الذوبان فيها
التكامل بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني لا ينبغي أن يعني التطابق، فالمجتمع المدني تكون له قيمة أكبر عندما يستطيع المبادرة، واكتشاف احتياجات لا تراها الإدارة المركزية، وتجربة حلول جديدة، وانتقاد أوجه القصور بصورة مسؤولة، والوصول إلى المواطنين بمرونة.
إذن، العلاقة الأفضل هي: شراكة بلا تبعية، ورقابة بلا وصاية.
الفكرة السابعة عشر: كيف نقيس نجاح الشبكة الجديدة؟
أقترح أن تعتمد أي مؤسسة اجتماعية مستقبلية عشرة مؤشرات معلنة:
1- عدد الأسر التي تخدمها.
2- نسبة المصروفات التي تصل مباشرة إلى الخدمة.
3- عدد المتطوعين وساعات تطوعهم.
4- نسبة المستفيدين الذين خرجوا من الاحتياج.
5- نسبة الأطفال الذين استمروا في التعليم.
6- نسبة المرضى الذين تلقوا العلاج المطلوب
7- عدد فرص العمل التي أنشئت.
8- نسبة الشكاوى التي حلت.
9- تنوع المستفيدين دون تمييز ديني أو سياسي.
10- نتيجة مراجعة مالية مستقلة سنوية.
وبذلك تنتقل المؤسسة من: "ثقوا بنا لأننا صالحون"، إلى: "حاسبونا لأننا مؤسسة عامة لخدمة المجتمع".
الفكرة الثامنة عشر: ماذا ينبغي للدولة أن تفعل؟
إذا أردنا استعادة طاقة المجتمع، فالمطلوب ليس رفع الرقابة كليا، بل تغيير طبيعتها. فالدولة تحمي المجتمع عندما تراقب غسل الأموال، وتمويل العنف، والفساد، والاستيلاء على التبرعات، واستغلال الأطفال، والتمييز غير القانوني.
لكن ينبغي ألا يتحول اختلاف الرأي السياسي وحده إلى معيار لتقييم صلاحية النشاط الخيري. والقاعدة التي تقترحها هذه المقالة بسيطة: المحاسبة على الفعل لا الهوية، وعلى المخالفة لا الانتماء. فإذا ارتكبت مؤسسة مخالفة يحاسب المسؤول عنها وفق القانون، أما المريض والطالب واليتيم فلا ينبغي أن يدفعوا ثمن الصراع السياسي.
الفكرة التاسعة عشر: ماذا ينبغي للحركة الإسلامية أن تفعل؟
يقابل ذلك التزام لا يقل أهمية؛ إذا أرادت الحركات ذات المرجعية الإسلامية استعادة دور اجتماعي واسع، فعليها أن تقدم للمجتمع ضمانات عملية:
– لا استخدام للمحتاج انتخابيا.
– لا اشتراط للانتماء.
– لا تمويل مجهولا.
– لا خلط بين أموال الحزب والجمعية.
– لا إدارة سرية.
– لا ولاء تنظيميا فوق الكفاءة.
– لا خطاب تكفيريا أو تحريضيا.
– لا احتكار للفضيلة.
وفي المقابل: مهنية، وشفافية، وتعددية، وتداول إداري، ومراجعة مالية، وخدمة للجميع.
الفكرة العشرون: المشروع الأوسع.. إعادة المجتمع إلى المجتمع
في النهاية، ليست المسألة قضية الإخوان وحدهم، ولا الإسلاميين وحدهم؛ المشكلة الأعمق هي: كم مساحة بقيت للمواطن المصري لكي يساعد مواطنا آخر دون أن ينتظر الدولة أو يخشاها؟
المجتمع الحي ليس مجموعة أفراد يقفون أمام أبواب الوزارات، إنه شبكة تتكون من أسرة، وجار، ومسجد، وكنيسة، وجمعية، ونقابة، ومدرسة، وناد، ومتطوع، وطبيب، ومعلم، ورجل أعمال، وكلما قويت الروابط الأفقية بين هؤلاء، أصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الفقر والأزمات.
الفكرة الحادية والعشرون: ماذا خسرت مصر؟
بعد هذه الرحلة نستطيع العودة إلى السؤال الذي حمل عنوان المقالة: هل خسرت مصر مجرد جماعة سياسية؟
الأدلة التي استعرضناها لا تسمح بهذه الإجابة المبسطة؛ لقد تغيرت بعد 2013 بنية جزء مهم من المجال الإسلامي والاجتماعي، وتعرضت مؤسسات مرتبطة بالإخوان للتحفظ وإعادة الإدارة، وتزامن ذلك مع تضييق أوسع على المجال الأهلي في مراحل معينة، لكن مصر لم تفقد العمل الخيري بشكل كامل، ولم تختف المؤسسات الإسلامية، ولم تتوقف الدولة عن محاولة تنفيذ الحماية الاجتماعية.
لذلك فإن الخسارة التي ترجحها الدراسة أكثر تعقيدا: خسرت مصر جزءا من التعدد المؤسسي ورأس المال الاجتماعي والشبكات التطوعية المستقلة التي كانت تساعد في حمل جزء من العبء الاجتماعي؛ لكن مقدار هذه الخسارة يختلف من قطاع إلى آخر، ولا يجوز نسبة كل تدهور اقتصادي أو اجتماعي بعد 2013 إليها.
الفكرة الثانية والعشرين: وما الذي لم تثبته الدراسة؟
الأمانة تقتضي تسجيل ذلك بوضوح؛ لم تثبت الدراسة أن غياب الإخوان سبب ارتفاع الفقر، ولم تثبت أن كل المؤسسات المتحفظ عليها توقفت خدماتها لكن ربما قلت كفاءتها، ولم تثبت أن كل الطبقة الوسطى اختفت، ولم تثبت أن التدين أو الأخلاق انهارا بسبب غياب الحركة الإسلامية.
هذه الادعاءات أكبر من الأدلة المتاحة، لكن الدراسة وجدت ما يكفي لطرح فرضيات قوية حول فقدان أو إضعاف بعض آليات التكافل والتنظيم المستقل في الوقت الذي ازدادت فيه حاجة المجتمع إليها.
الفكرة الثالثة والعشرون: الرسالة إلى الحركة الإسلامية
إذا كانت هناك رسالة واحدة توجهها هذه المقالة إلى الحركة الإسلامية فهي: لا تطلبوا العودة إلى المجتمع كما كنتم قبل الأزمة؛ لكن أسرعوا وعودوا إلى خدمته، ولا تبدأ العودة بالسياسة، بل بمريض، ويتيم، وأسرة، وطالب يحتاج دعم، وعاطل يبحث عن عمل، وشاب يريد الزواج، وأم تخشى على أبنائها، ومسن يحتاج إلى من يسأل عنه.
مصر لا تحتاج إلى احتكار الدولة للخير، ولا إلى احتكار الإسلاميين له، ولا إلى تحويل الفقير إلى ناخب، ولا إلى تحويل المتطوع إلى مشتبه به، إنها تحتاج إلى دولة تؤمن بالحرية تطبق القانون، ومجتمع حر ومسؤول، ومؤسسات شفافة، وحركة دينية تدرك أن أعظم وسائل الحفاظ على الهوية ليست رفع الشعارات، بل تحويل قيمها إلى رحمة وعدل وعلم وعمل وخدمة للناس
وتكون المرجعية الإسلامية ظاهرة في الأمانة، والإتقان، والرحمة، والعدل، وخدمة المخالف قبل الموافق. عندئذ تصبح الهوية سلوكا قبل أن تكون شعارا.
الفكرة الرابعة والعشرون: الرسالة إلى الدولة
والرسالة المقابلة: على الانظمة الحاكمة أن تدرك أن المجتمع المستقل ليس بالضرورة خصما للدولة بل قد يكون أحد أهم مواردها. فكل جنيه يوفره متطوع في علاج مريض يخفف عبئا، وكل طفل تمنعه جمعية من التسرب يوفر مشكلة مستقبلية، وكل أسرة تمنع من الانهيار توفر تكلفة اجتماعية، وكل شاب يجد مكانا مشروعا لخدمة الناس هو طاقة مضافة للمجتمع.
الأمن الحقيقي لا يقتصر على غياب التهديد، بل يشمل وجود مجتمع متماسك يستطيع حماية أفراده. فمن يدرك ويفهم ذلك؟!
الفكرة الخامسة والعشرون: الرسالة إلى المجتمع المصري
أما المواطن فلا ينبغي أن ينتظر انتهاء الصراع السياسي لكي يفعل الخير. فالتكافل أقدم من الأحزاب، وأوسع من التنظيمات، وأبقى من الحكومات. والصدقة ليست موقفا سياسيا، وعلاج المريض ليس بيانا حزبيا، وكفالة اليتيم ليست دعاية انتخابية، وإصلاح الأسرة ليس مشروع سلطة. هذه وظائف المجتمع نفسه.
وفي الختام نقول إننا بدأنا المقال بهذا السؤال: ماذا خسرت مصر بتغييب الإخوان المسلمين وبعض الحركات الإسلامية عن المجال الاجتماعي بعد تموز/يوليو 2013؟ وانتهينا إلى سؤال أوسع: ماذا يخسر أي مجتمع عندما تضعف قدرته على التنظيم المستقل والتكافل والعمل التطوعي؟
كان الإخوان جزءا مهما من شبكة اجتماعية إسلامية واسعة، لكنهم لم يكونوا الشبكة كلها، وكانت لهم خدمات حقيقية، لكنهم لم يكونوا بلا أخطاء. وتعرضوا بعد 2013 لإجراءات واسعة، ظالمة ومتعسفة، لكن ليس كل أزمة لاحقة نتيجة لهذه الإجراءات بل لمجموعة من الأخطاء في الفكر والإدارة، وحاول النظام التوسع بعد ذلك في الحماية الاجتماعية، لكن اتساعها نفسه يكشف ضخامة الحاجة التي يواجهها المجتمع.
وهكذا لا ينبغي أن تكون خاتمة الدراسة الحنين إلى الماضي بل التعلم منه. إن مصر لا تحتاج إلى احتكار الدولة للخير، ولا إلى احتكار الإسلاميين له، ولا إلى تحويل الفقير إلى ناخب، ولا إلى تحويل المتطوع إلى مشتبه به، إنها تحتاج إلى دولة تؤمن بالحرية تطبق القانون، ومجتمع حر ومسؤول، ومؤسسات شفافة، وحركة دينية تدرك أن أعظم وسائل الحفاظ على الهوية ليست رفع الشعارات، بل تحويل قيمها إلى رحمة وعدل وعلم وعمل وخدمة للناس.
وعندئذ يصبح السؤال النهائي ليس متى تعود الحركة الإسلامية؟ بل: متى يستعيد المجتمع المصري قدرته على أن يحمل بعضه بعضا؟ فإذا استعادها، استعاد شيئا أكبر من مؤسسة أو تنظيم، فقد استعاد المجتمع نفسه، وهذا هو الأمل في كل تغيير حقيقي.