في 14 أغسطس 2013، تحولت ساحتا رابعة العدوية والنهضة في القاهرة والجيزة إلى مسرح لأحد أكثر الأحداث دموية وإثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث، بعدما تحركت قوات الأمن لفض اعتصامين لأنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، اللذين استمرا لنحو 45 يوماً عقب إطاحة الجيش به في 3 يوليو من العام نفسه.
لم تكن العملية مجرد نهاية لاعتصام سياسي؛ إذ امتدت تداعياتها إلى مختلف المحافظات، وسقط خلالها مئات القتلى وآلاف المصابين، بينما دخلت البلاد مرحلة جديدة من الطوارئ وحظر التجول، وتزايدت حدة الاستقطاب السياسي والأمني.
أرقام متضاربة.. وواقع دموي واحد
تكشف مراجعة الروايات الواردة بشأن أحداث 14 أغسطس عن تفاوت كبير في تقدير أعداد الضحايا.
فبحسب البيانات الرسمية المصرية الواردة في المادة، بلغ عدد القتلى في ذلك اليوم 638 شخصاً، بينهم 595 مدنياً و43 من قوات الشرطة، إضافة إلى نحو 3994 مصابا، في المقابل، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين والتحالف الوطني لدعم الشرعية أن عدد القتلى في رابعة وحدها وصل إلى نحو 2600 شخص.
وفي رواية أخرى، يورد المصدر تقديرات لاحقة لوزارة الصحة بلغت 670 قتيلاً ونحو 4400 مصاب من الجانبين، بينما وثقت هيومن رايتس ووتش مقتل ما بين 904 و1000 شخص أو أكثر، بينهم 817 في رابعة و87 في النهضة.
هذا التباين لم يكن مجرد خلاف إحصائي، بل أصبح أحد محاور الصراع السياسي والحقوقي الذي أعقب الفض، في ظل غياب رواية واحدة تحظى بقبول جميع الأطراف.
كيف بدأت العملية؟
وفق التسلسل الزمني ، بدأت قوات الشرطة التحرك نحو الاعتصامين في نحو السادسة والنصف صباحاً، مع إغلاق الطرق المؤدية إلى الميدانين واستخدام جرافات لإزالة الحواجز التي أقامها المعتصمون.
وتقول الرواية الرسمية: "إن قوات الأمن أعلنت قبل بدء العملية توفير ممرات آمنة لخروج المعتصمين، وبعد ذلك بدأ استخدام الغاز المسيل للدموع، ثم تقدمت القوات لفض اعتصام النهضة، قبل أن تتواصل المواجهات في رابعة".
لكن رواية جماعة الإخوان المسلمين جاءت مختلفة جذرياً؛ إذ اتهمت قوات الأمن باستخدام القوة المفرطة، وإحراق خيام أثناء وجود نساء وأطفال داخلها، واستهداف صحفيين ومصورين، ومنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى المصابين.
وفي المقابل، أعلنت وزارة الداخلية أن قوات الشرطة استخدمت أسلوب التدرج، بدءاً من مكبرات الصوت ثم خراطيم المياه والغاز، قبل أن تواجه، بحسب روايتها، مقاومة مسلحة من بعض المعتصمين.
روايتان متعارضتان حول السلاح
من أبرز نقاط الخلاف في الأحداث طبيعة الاعتصامين وما إذا كان المعتصمون مسلحين ومدى استخدام الأسلحة أثناء الفض.
وأشارت الشرطة إلى العثور على أسلحة وذخائر داخل الاعتصامات، بينما وصف قياديون في جماعة الإخوان العملية بأنها مواجهة غير متكافئة بين مدنيين وقوات أمن مدعومة بآليات وطائرات.
وبذلك ظل السؤال المركزي محل نزاع: هل كانت العملية فضاً أمنياً لاعتصامين مسلحين جزئياً، أم استخداماً مفرطاً للقوة ضد تجمعات مدنية؟
وتختلف الإجابة باختلاف الجهة التي تروي الأحداث، وهو ما جعل عملية إعادة بناء ما جرى ميدانياً واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ مصر السياسي الحديث.
صحفيون دفعوا الثمن
لم تقتصر الخسائر على المعتصمين وقوات الأمن،
فخلال أحداث رابعة، قُتل المصور الصحفي في قناة سكاي نيوز البريطانية مايك دين، وفق ما أورده المصدر.
كما تضمنت رواية جماعة الإخوان اتهامات باستهداف صحفيين ومصورين آخرين، بينما بقيت ملابسات سقوط عدد من الضحايا من الإعلاميين جزءاً من الجدل الأوسع حول الأحداث.
الاستقالة التي كشفت عمق الأزمة
لم تمر الأحداث دون انقسامات داخل السلطة المؤقتة نفسها.
فقد تقدم محمد البرادعي، نائب الرئيس المؤقت، باستقالته احتجاجاً على مسار الأحداث، قائلاً: "إنه لم يعد قادراً على تحمل مسؤولية قرارات لا يتفق معها"، ومحذراً من مسؤولية الدماء التي كان يرى أنه كان بالإمكان تجنبها.
وأصبحت الاستقالة لاحقاً واحدة من أبرز الشهادات السياسية على حجم الخلاف داخل معسكر السلطة بشأن خيار الفض الأمني.
من رابعة إلى المحافظات
لم تتوقف تداعيات الفض عند حدود الميدانين،
فبحسب المصدر، أعقب العملية اندلاع موجة عنف في عدد من المحافظات، وتعرضت منشآت شرطية وكنائس ومبانٍ أخرى لهجمات وحرائق، بينما أعلنت السلطات حالة الطوارئ وفرضت حظر التجول في 14 محافظة، كما أوقفت حركة القطارات في أنحاء البلاد.
وهكذا تحول يوم واحد من عملية أمنية إلى نقطة فاصلة أعادت تشكيل العلاقة بين الدولة والمعارضة، وأدخلت مصر في مرحلة أمنية وسياسية أكثر قسوة.
إدانات دولية واسعة
اتسعت دائرة ردود الفعل خارج مصر، فقد أدان الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك استخدام القوة ضد المتظاهرين، بينما عقد مجلس الأمن جلسة مغلقة لبحث التطورات، كما أدانت الولايات المتحدة استخدام العنف، ودعا الرئيس الأميركي باراك أوباما السلطات المصرية إلى احترام حقوق الإنسان وإلغاء حالة الطوارئ، وأعلن إلغاء مناورات عسكرية مشتركة كانت مقررة بين الجيشين المصري والأميركي.
كما صدرت مواقف منتقدة أو داعية إلى ضبط النفس من الاتحاد الأوروبي وتركيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وروسيا والصين وغيرها.
لكن المواقف الإقليمية لم تكن موحدة؛ إذ أعلنت السعودية والإمارات والأردن والبحرين والكويت دعمها للإجراءات المصرية بدرجات مختلفة، في مقابل مواقف أكثر انتقاداً من دول أخرى.
لماذا بقيت رابعة حاضرة بعد أكثر من عقد؟
تكشف مقارنة الروايات الواردة في المادة أن الخلاف حول رابعة لم يكن خلافاً على عدد القتلى فقط، بل على طبيعة الدولة التي بدأت تتشكل بعد 3 يوليو، وحدود استخدام القوة، ومسؤولية السلطة والمعارضة عن العنف الذي أعقب عزل مرسي.
فالسلطات المصرية قدمت الفض باعتباره إجراءً ضرورياً لاستعادة الأمن وإنهاء اعتصامات قالت إنها تحولت إلى مصدر تهديد، بينما اعتبرته جماعة الإخوان وحلفاؤها مجزرة وتحميلاً للجيش والشرطة المسؤولية المباشرة عن سقوط الضحايا.
أما المنظمات الحقوقية الدولية، وعلى رأسها هيومن رايتس ووتش وفق المادة، فقد اعتبرت حجم استخدام القوة مؤشراً بالغ الخطورة، ووصفت الأحداث بأنها من أسوأ حوادث القتل الجماعي غير المشروع في التاريخ المصري الحديث.
رابعة.. ملف لم يُغلق
بعد مرور سنوات، لم تعد رابعة مجرد ميدان في القاهرة، بل أصبحت رمزاً سياسياً وحقوقياً يستخدمه كل طرف لتثبيت روايته عن مرحلة ما بعد 2013.
والوقائع الأساسية تبدو واضحة: اعتصامان استمرا أسابيع، عملية أمنية واسعة في 14 أغسطس، مئات القتلى وفق الأرقام الرسمية، تقديرات أعلى بكثير وفق مصادر أخرى، آلاف المصابين، ثم موجة عنف وطوارئ وحظر تجول وقطيعة سياسية عميقة.
لكن ما بقي محل نزاع هو حجم القوة المستخدمة، والمسؤولية عن سقوط الضحايا، وطبيعة الأحداث التي سبقت الفض وتلته.
ولهذا تظل رابعة، بعد أكثر من عقد، واحدة من أكثر الملفات احتياجاً إلى تحقيق مستقل وشامل يقوم على الأدلة الميدانية، وسجلات المستشفيات، وتقارير الطب الشرعي، وشهادات الشهود، وتسجيلات الفيديو، وسجلات الاتصالات، وأوامر العمليات، بدلاً من الاكتفاء بالروايات السياسية المتعارضة.
خلاصة استقصائية:
الوثائق والروايات المتعددة المتاحة لا تقدم رواية واحدة متفقاً عليها للأحداث، لكنها تؤكد أن 14 أغسطس 2013 كان نقطة تحول دامية في التاريخ السياسي المصري، وأن حجم الخلاف حول الضحايا والمسؤوليات يعكس استمرار غياب توافق نهائي حول ما حدث داخل رابعة والنهضة وكيف اتخذ قرار الفض ونُفذ على الأرض.