يسعي العسكر دائما للسيطرة على الأنشطة ذات الربحية العالية، وصناعة الأدوية من أعلى الأنشطة ربحية عالميا، ففي عام 2019 تم استحداث هيئة الشراء الموحد لتكون لها الكلمة الأولى والأخيرة في أي قرار يخص الدواء والمستلزمات الطبية، بحجة ضمان توافر المنتجات الصحية الأساسية دون انقطاع، مؤخرا طالبت هيئة الشراء الموحد شركات ومصانع الأدوية بعمل قائمة قصرة للأدوية المستوردة تامة الصنع، ومستلزمات الإنتاج التي يعاد تعبئتها محليا.
وذكرت مصادر في وزارة الصحة أن قوائم الاستيراد الجديدة، ستراجع من قبل هيئة الدواء التي بدأت بالفعل مراجعة قوائم الشراء المطلوبة من قبل الشركات، لقصر معاجلة الأمراض الشائعة والحصول على اقتطاعات كبيرة على شراء الأدوية تامة الصنع أو الخامات من الخارج، وتوفير النقد الأجنبي الذي يوجه لصالح عمليات الشراء.
وأكدت مصادر في شعبتي الدواء بالغرف التجارية والصناعية أن القرار يستهدف مزيداً من القيود التي تفرضها الدولة، على قطاع الدواء، بعد أن تحولت هيئة الشراء الموحد إلى الوكيل الحصري لتدبير احتجاجات قطاع الدواء للصناعات المحلية والمستشفيات العامة والخاصة.
سوق سوداء
وقال مسؤولون في غرفة الدواء: إن "سيطرة هيئة الدواء على عمليات الإنتاج والتوزيع معا أدى إلى تعثر عمليات التصنيع المحلي، وانتشار سوق سوداء لبيع الأدوية المستوردة، والتي تتسرب إلى الأسواق عبر شبكات التسويق الإلكتروني وصفقات يعقدها سماسرة تأتي من تركيا ودول شرق أوروبا مؤخراً، بعد أن سبَّبت الحرب الدائرة في وقف مسارات التهريب التي كانت تأتي إلى مصر من الهند وجبل علي بدولة الإمارات. "
ورفضت هيئة الدواء السماح لشركات الأدوية زيادة أسعار المنتجات المحلية، بما يواكب الزيادة في قيمة الدولار مقابل الجنيه وارتفاع تكاليف الشحن، على مدار الأسابيع الماضية، مؤكدة أنه "لا زيادة في التسعير قبل بلوغ الدولار سعراً يفوق 55 جنيهاً.
تأتي مطالب المنتجين وسط تصاعد الضغوط على قطاع الدواء في مصر مع مطالبة شركات التصنيع والتوزيع بزيادات سعرية لا تقل عن 30%، في ظل قفزة حادة في تكاليف الإنتاج ونقص العملة الأجنبية، بينما تواجه هذه المطالب معارضة برلمانية وتحذيرات من تداعيات صحية واجتماعية واسعة.
ويمر قطاع الدواء بإحدى أشد أزماته منذ تحرير سعر الصرف في مارس 2024، حين فقد الجنيه أكثر من 45% من قيمته خلال أسابيع، من التعويم، فأطلق موجتين متتاليتين من زيادات الأسعار راوحت الأولى بين 20% و25%، تلتها زيادة أخرى بين 10% و15% في منتصف العام نفسه.
ارتفاع تكلفة الانتاج
وتقول شعبة الأدوية: إن "تكلفة الإنتاج الإجمالية قفزت بنحو 50% خلال 2024، قبل أن ترتفع بنحو 30% إضافية في 2025، مدفوعة بزيادة أسعار الدولار بنحو 12%، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والخامات، يعتمد صناعة الدواء بشكل شبه كامل على الاستيراد، إذ يتم استيراد نحو 90% من المواد الخام الفعالة من الخارج، خصوصاً من الصين والهند، في وقت يضم فيه السوق 170 مصنعاً عاملاً و40 مصنعاً قيد الإنشاء، ضمن إجمالي 191 مصنعاً مرخصاً بطاقة إنتاجية تبلغ 799 خط إنتاج".
تُقدر وزارة الصحة فاتورة الاستيراد السنوية للخامات والمواد الفعالة بين 2.5 و3 مليارات دولار، إضافة إلى واردات من الأدوية تامة الصنع تراوح بين 1.3 و1.7 مليار دولار، ليصل الإجمالي إلى ما بين 3.8 و4.7 مليارات دولار سنوياً، بما يجعل القطاع عرضة لتقلبات سعر الصرف وسلاسل الإمداد العالمية.
وتواجه شركات الإنتاج والتوزيع للأدوية، فجوة حادة بين سعر الصرف الرسمي، الذي تُلزم به هيئة الدواء في التسعير عند نحو 43 جنيهاً للدولار، ومستويات أعلى في السوق الموازية، تصل إلى 52.5 جنيهاً في البنوك ونحو 62 جنيهاً في الدفع الآجل، بما يدفع المصنعين إلى تدبير العملة الأجنبية بأسعار تفوق التقديرات الحكومية بنسبة تراوح بين 20% 30%
وأكد مصنعون أن هذا الوضع أدى إلى خسائر تشغيلية، خصوصاً في الأدوية منخفضة السعر، مشيرين إلى أن أكثر من 15 شركة قلصت إنتاجها أو حولت خطوطاً إلى تصنيع المكملات الغذائية ومستحضرات التجميل ذات الهوامش الربحية الأعلى، بينما توسعت شركات توزيع في جلب الأدوية من الخارج وتسويقها عبر الانترنت بعيداً عن رقابة الدولة، ليباع الدواء الواحد بأكثر من سعر وفقاً لطبيعة المنتج ومدى الإقبال عليه وحجم طلب المرضى عليه.
وأوضح علي عوف رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية أن "تكلفة التصنيع ارتفعت بنحو 30% منذ بداية الحرب في المنطقة، دون أي تحريك للأسعار يعكس هذه الزيادة"، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يدفع بعض الشركات إلى وقف الإنتاج خاصة الأدوية الشعبية، ذات العائد المنخفض.
وأضاف رئيس غرفة صناعة الأدوية في اتحاد الصناعات، المخزون الاستراتيجي الذي يغطي عادة نحو ثلاثة أشهر
"يتآكل بسرعة"، موضحاً أن بعض خطوط الإنتاج الأساسية باتت مهددة بالتوقف إذا لم يتم التدخل سريعاً.
وأقر وزير الصحة خالد عبد الغفار بوجود نقص في بعض الأدوية المستوردة والمستلزمات الطبية، لكن هذه التحركات لم تهدئ المخاوف داخل البرلمان والمجتمع المدني، حيث تعارض جهات نيابية ومنظمات صحية، من بينها جمعية الحق في الدواء، أي زيادات سعرية جديدة، محذرة من أنها قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات عدم القدرة على الحصول على العلاج، خاصة في ظل إنفاق بعض الأسر ما يصل إلى 40% من دخلها الصحي على الدواء. وقالت الجمعية في بيان مؤخراً، إن رفع الأسعار من دون توسيع مظلة التأمين الصحي أو تقديم دعم مباشر للأدوية الحيوية "قد يشكل صدمة اجتماعية وصحية خطيرة"، مع احتمال عودة نواقص الأدوية الأساسية.
المطالبة بحزمة اصلاحات
يطالب المصنعون بحزمة إصلاحات أوسع تتجاوز مجرد تحريك الأسعار، تشمل تحريراً جزئياً للتسعير أو ربطه بتغيرات التكلفة، وتوفير الدولار بسعر موحد للقطاع، إلى جانب حوافز ضريبية وتخفيض الرسوم على مدخلات الإنتاج، وتسريع إجراءات تسجيل الأدوية الجديدة.
ويرى مستثمرون أن هذه الإصلاحات قد تفتح المجال أمام زيادة صادرات الدواء إلى نحو 5 مليارات دولار بحلول 2030، خاصة إذا نجحت مصر في توطين إنتاج المواد الخام والعبوات الزجاجية المتخصصة، التي لا تزال تعتمد على الاستيراد.