في خطوة تعكس عمق أزمة السيولة الدولارية، ألزمت هيئة الشراء الموحد شركات الأدوية في مصر بإعداد ما يُعرف بـ"قائمة قصيرة" للأدوية المستوردة ومستلزمات الإنتاج، كشرط مسبق للنظر في تدبير النقد الأجنبي. القرار، الذي يبدو إداريًا في ظاهره، يكشف عمليًا عن عجز متزايد في توفير الدولار، واضطرار الدولة إلى تقنين الاستيراد في قطاع حيوي يمس حياة المرضى مباشرة.
وبدلًا من معالجة جذور الأزمة، يفرض القرار قيودًا إضافية على شركات التصنيع والتوزيع، في وقت أصبحت فيه الهيئة الحكومية اللاعب شبه الأوحد في تحديد ما يُستورد وما يُمنع، ما يعمّق مركزية القرار ويقيد مرونة السوق.
سوق سوداء تتمدد على حساب المرضى
هذا التشديد في الاستيراد لم يؤدِّ إلى ضبط السوق بقدر ما فتح الباب أمام توسع السوق السوداء، حيث تتسلل الأدوية المستوردة عبر قنوات غير رسمية، وتُباع بأسعار متفاوتة خارج أي رقابة حقيقية. ومع تقييد القنوات الشرعية، أصبح المرضى أكثر عرضة للاستغلال، بينما تتراجع قدرة الدولة على ضبط الجودة والأسعار.
وتشير تقديرات داخل القطاع إلى أن جزءًا من هذه الأدوية يأتي عبر وسطاء وشبكات تسويق إلكتروني، مستفيدين من فجوة العرض التي خلقتها السياسات الحكومية، ما يحوّل الدواء من سلعة أساسية إلى منتج نادر يخضع لقواعد العرض والطلب غير المنضبطة.
تصنيع محلي هش يعتمد على الخارج
الأزمة لا تتوقف عند حدود الاستيراد، بل تكشف هشاشة بنية التصنيع الدوائي في مصر، التي تعتمد على استيراد نحو 90% من المواد الخام الفعالة. ومع ارتفاع تكلفة الدولار واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، أصبح الإنتاج المحلي نفسه رهينة لتقلبات خارجية لا تملك الدولة السيطرة عليها.
ورغم وجود عشرات المصانع، فإنها تعمل ضمن نموذج "تجميع" أكثر منه تصنيعًا حقيقيًا، ما يجعل أي أزمة في العملة أو الشحن تتحول فورًا إلى نقص في الدواء.
فجوة سعر الصرف تضرب الإنتاج
تواجه الشركات فجوة حادة بين سعر الدولار الرسمي المستخدم في تسعير الدواء، ومستوياته الفعلية في السوق، ما يؤدي إلى خسائر تشغيلية متزايدة، خاصة في الأدوية منخفضة السعر. ومع رفض الحكومة تحريك الأسعار بما يتناسب مع التكلفة، تجد الشركات نفسها أمام خيارين: تقليص الإنتاج أو التحول إلى منتجات أكثر ربحية مثل المكملات الغذائية.
وقد بدأت بالفعل بعض الشركات في تقليص نشاطها، بينما اتجهت أخرى إلى استيراد أدوية جاهزة وبيعها خارج الأطر الرسمية، ما يعمّق اختلال السوق ويزيد الضغط على المرضى.
النتيجة: نقص متزايد وتهديد للأمن الدوائي
في ظل هذه المعادلة، يتآكل المخزون الاستراتيجي من الأدوية، وتزداد المخاوف من توقف خطوط إنتاج أساسية، خاصة مع استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن. ومع غياب حلول هيكلية، يبدو أن الأزمة مرشحة للتفاقم، لتتحول من أزمة سوق إلى تهديد مباشر للأمن الصحي.
وبينما ترفض الحكومة رفع الأسعار خشية الغضب الشعبي، وتحذر جهات صحية من تداعيات اجتماعية خطيرة، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، يواجه نقص الدواء وارتفاع تكلفته في آن واحد.
أزمة أعمق من قرار إداري
ما يجري في سوق الدواء ليس مجرد خلل مؤقت، بل انعكاس لأزمة اقتصادية أوسع، تتجلى في نقص العملة الأجنبية، واعتماد مفرط على الاستيراد، وغياب استراتيجية حقيقية لتوطين الصناعة. وفي ظل استمرار هذه العوامل، لن تكون "القوائم القصيرة" سوى أداة لإدارة الندرة، لا حلًا لها.