نظام الرقمنة في القطاع المالي الذي يعتبره قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي من إنجازاته تحول إلى وسيلة انقلابية لسرقة ونهب أموال العملاء، ويؤكد الخبراء أن التحديات التي تواجه هذا النظام تتجاوز مجرد الجانب التقني، حيث يتطلب تحقيق فاعلية حقيقية في مجال الشمول المالي وحماية العملاء جهودًا متكاملة على مختلف الأصعدة .
وكشف الخبراء أن هناك زيادة ملحوظة في حالات السرقة والنصب الإلكتروني، مما أدى إلى فقدان الكثير من المصريين لأموالهم، مؤكدين أن استمرار تعرض العملاء لعمليات احتيال يعكس ثغرات واضحة في الإجراءات الأمنية المعمول بها، بالإضافة إلى عدم كفاية الوعي المالي لدى المواطنين.
وقالوا: إن “النظام الحالي يعاني من ضعف في حمايته للبيانات والمعاملات، مما يسهل على المجرمين استغلال الثغرات التقنية لأغراض النصب، موضحين أن الأعطال التقنية التي تحدث في أنظمة الدفع والتحويل تساهم في تفاقم المشكلة، حيث يجد العملاء أنفسهم في مواجهة خسائر مالية نتيجة لتلك الأعطال”.
تطبيقات مالية
في هذا السياق تؤكد البيانات تضاعف عمليات السرقة والنصب من خلال اختراق النظم الإلكترونية للمحافظ والتطبيقات المالية، سواء الخاصة بالشركات أو البنوك، كما تظهر فشل منظومة الرقمنة التي أقرتها حكومة الانقلاب في تحقيق الحماية والتصدي للسرقة أو النصب، بل توفر ثغرات سهلة لتنفيذ جرائم إلكترونية على نطاق واسع، تتسبب في فقدان المواطنين لأموالهم بشكل متزايد.
وكشف استبيان على 100 عينة من مختلف الفئات العمرية موزعة بين قطاعات جغرافية مختلفة داخل المحافظات المصرية، أن 70% منهم سبق وتعرضوا للنصب وسرقة الأموال، بسبب التطبيقات المالية، يتصدرها تطبيقات شركات الاتصالات بنسبة 60%، تليها تطبيقات الدفع المباشر بنسبة 40%، ثم تطبيقات البنوك وأعطال ماكينات الصرف الآلي بنسبة 30%
وأكد غالبية المشاركين في الاستبيان عدم ثقتهم في تلك التطبيقات بعد تكرار حوادث السرقة والأعطال التي تتسبب في ضياع الأموال.
نظم رخيصة
حول هذه الأوضاع أكد خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات جمال مختار أن الأمن السيبراني بما فيه الهجمات التي تستهدف سرقة المواطنين من خلال الثغرات الموجودة بالتطبيقات والمحافظ الإلكترونية، قضية لا تنفصل عن الأمن القومي المصري، كونها تحدث بشكل يومي وتستهدف الأفراد والشركات والمؤسسات، وتتطلب معالجة سريعة ومستمرة وتضافر الجهود من أجل التصدي لها، في ضوء حالة التطور التكنولوجي الكبير التي يعيشها العالم ويستفيد منها الكثيرون في تنفيذ عمليات السرقة والنصب الإلكتروني.
وكشف مختار في تصريحات صحفية عن ثلاثة أمراض رئيسية تتعلق بآليات المعالجة؛ الأول يرتبط بالاعتماد على تكنولوجيا رخيصة في تأمين القطاع المالي بشكل عام، سواء تطبيقات البنوك وكذلك التطبيقات الرسمية، أو المحافظ الإلكترونية وغيرها من تطبيقات الدفع عبر الإنترنت، حيث لا تنفق الجهات المسؤولة بشكل متزن على شراء نظم الحماية وتعتمد على الرخيص منها، وهذه النظم الرخيصة ليست على كفاءة عالية ويمكن اختراقها بسهولة .
وشدد على ضرورة أن تخصص حكومة الانقلاب والقطاع الخاص ميزانيات أعلى بكثير لتوفير أفضل الأدوات لتحقيق الحماية على المنظومة المالية الرقمية، مطالبا بضرورة الاعتماد على شركات ذات كفاءة عالية فيما يتعلق بالتأمين أو تنفيذ النظم التكنولوجية داخل القطاع المالي.
أهل الثقة
وقال مختار: إن “المرض الثاني المرتبط بعدم كفاءة المنظومة الرقمية يتعلق بالاعتماد على بعض الشركات المفتقرة للكفاءة، لكنها من أهل الثقة أو القرابة، ويعد غياب الكفاءات أبرز التحديات في هذا الصدد، موضحا أن المرض الثالث يتمثل فى غياب التقديرات المتعلقة بتفادي مخاطر الاختراق الإلكتروني، بمعنى عدم توقع حدوث مشاكل أو اتباع الطريقة التقليدية في إنكار احتمال حدوث أي مشكلة، ما يجعل احتمالات حدوث اختراق أمر غير متوقع وصعب التعامل معه”.
وأوضح أن غياب التعليم أو الثقافة التكنولوجية ساهم فى انتشار (الأمية التكنولوجية) التي يعاني منها غالبية المصريين، فضلًا عن غياب التوجيه من جانب الجهات المختصة، ما يجعل الأشخاص عاجزين عن حماية أنفسهم، ويصبحون فريسة سهلة للسرقة أو النصب، مشددًا على ضرورة توفير نظام حماية فعال ومتجدد باستمرار يتواكب مع التطورات التكنولوجية التي تحدث في العالم بشكل يومي.
واقترح مختار تدشين غرفة عمليات تخدم على جميع البنوك المصرية للتعرف على طرق الاحتيال الجديدة والتصدي لها، وتنظيم حملات لتوجيه المواطنين ، وعدم الاكتفاء بالحلول المؤقتة، والعمل على معالجة المشكلة من الجذور والتعامل معها على أنها مشكلة مستمرة، مشيرًا إلى أن البنوك على سبيل المثال لا يمكن أن تتعامل مع أزمة سرقة أموال العملاء بتدشين رسالة تحذيرية فقط، لكن يتوجب عليها القيام بدور أكبر في حمايتهم والتصدي لأي عملية اختراق.
عمليات نصب وسرقة
وقال أستاذ الاقتصاد السياسي كريم العمدة: إن “الشمول المالي يعد أحد الركائز الأساسية التي يجب على جميع الدول التركيز عليها، لأنه كلما زادت نسبة الشمول المالي، أصبح من الأسهل على المواطنين والأفراد والشركات وحتى الحكومات التعامل مع المعاملات المالية بشكل أكثر سلاسة وفاعلية، مشيرًا إلى أن الشمول المالي ضعيف مقارنة بالدول المتقدمة التي تصل فيها نسبة الشمول المالي إلى 97%”.
وأوضح العمدة في تصريحات صحفية، أن مؤشر الشمول المالي يُقاس بنسبة المواطنين الذين تتجاوز أعمارهم 16 عامًا ويمتلكون حسابات مصرفية، ولا تزال هذه النسبة ضئيلة حتى الآن، موضحًا أن هناك تحديات كبيرة تعيق المزيد من التقدم، منها ضعف الوعي المالي لدى البعض والخوف المتجذر من فتح حسابات مصرفية بسبب اعتقادهم بأن معلوماتهم المالية ستكون مكشوفة أو أنهم سيكونون تحت مراقبة الضرائب، خاصة في ظل وجود اقتصاد غير رسمي يجعل العديد من الأفراد يتجنبون التعاملات المالية الإلكترونية، فضلًا عن ضعف البنية التحتية الخاصة بالتكنولوجيا المالية .
وأكد أن حوادث فقدان الأرصدة في الغالب ترتبط بضعف ثقافة المواطن، موضحا أنه على النقيض من البيانات الرسمية، تشير البيانات إلى زيادة ملحوظة فى عمليات النصب والسرقة الإلكترونية بالتزامن مع رقمنة القطاع المالي.
وأشار العمدة إلى أن الإحصاءات كشفت أن الجرائم الإلكترونية شهدت ارتفاعًا كبيرًا، حيث يتم استخدام الإنترنت في عمليات الاحتيال والسرقة بشكل متزايد، موضحا أنه بين عامي 2019 و2023، تزايدت البلاغات ضد جرائم السرقة الإلكترونية بشكل ملحوظ، بسبب زيادة الاعتماد على الإنترنت في مختلف الأنشطة اليومية وزيادة الوعي بأهمية الإبلاغ عن تلك الجرائم.