كيف أضّر “جنرالات” المخابرات الحربية بالأمن القومي؟!

- ‎فيتقارير

استعرضت صفحة “الشارع السياسي” آثار تنافس “الجنرالات” و”الخارجية” على إدارة ملفات السياسة الخارجية، وكيف أضر ذلك بمصر. وقالت الصفحة إنه يمكن حصر بعض الأضرار التي نتجت عن إمساك المخابرات الحربية بأبرز ملفات الأمن القومي:
1- نجحت إثيوبيا في بناء 67% من سد النهضة، وتوشك أن تنهي العمل به العام المقبل، كما بدأت تشغيل توربينات الكهرباء، بينما لا تزال مصر تتحدث عن “دراسات فنية” لإنشاء السد عفا عليها الزمن بعدما أصبح أمرا واقعا، وعن تدخل البنك الدولي في المفاوضات وهو صاحب مصلحة في بناء السد، وعن التفاوض على فترات ملء السد فقط.
2- تسبب التعامل العسكري الخاطئ مع السودان، والتصعيد ضده، وإطلاق الإعلام الموجه من المخابرات الحربية في سب الرئيس السوداني والسودانيين في انحياز الخرطوم نحو مصالحها مع إثيوبيا ودعمها سد النهضة، وموقف إثيوبيا منه في مواجهة مصر، ما أضعف أهم أوراق الضغط في يد مصر.
3- لم تعد تل أبيب في حاجة لصفقة قرن للاستيلاء على الضفة الغربية نفسها أو ترحيل الفلسطينيين، بعدما أظهر إعلام المخابرات الحربية الموقف المصري من “القدس” وأنها عاصمة لإسرائيل، ومن ثم شجع الاستيطان وطرد الفلسطينيين من القدس، ووضع يدهم على الضفة الغربية بالمستوطنات، وتحول رام لله إلى عاصمة للفلسطينيين تتعاون مع إسرائيل أمنيا، فضلا عن فتح الباب أمام فكرة دولة فلسطينية في غزة وأجزاء من سيناء؛ بسبب عمليات التفجير والتهجير التي وصلت لرابع مرحلة في رفح سيناء.
قرارات العسكرة
وقال التقرير، إن عبد الفتاح السيسي أصدر 8 قرارات متتالية منذ 3 يوليه 2013، وحتى يوليه 2017، أبعد بموجبها 114 من وكلاء جهاز المخابرات العامة (ضباط جيش بالأساس) إلى المعاش للتخلص من العمود الفقري للجهاز، وتيسير تولية أنصاره قبل أن يقوم بتحجيم الجهاز وإبعاده عن الملفات المهمة التي تولاها جهاز المخابرات الحربية التابع للجيش.
كما أبعد 30 دبلوماسيًا ثم 15 على مدار العام الماضي، في سياق تحجيم و”عسكرة” الخارجية، ووصل الأمر لفرض تدريب على الدبلوماسيين في الأكاديميات العسكرية والكلية الحربية مدة ستة أشهر.
وعن الفارق بين تعامل “الحربية” و”الخارجية”، فإنه رغم تغول المخابرات العامة على عدة ملفات في عهد حسني مبارك، إلا أنها لم تستبعد الخارجية، حيث كان عمر سليمان يضع الخطوط العريضة بالتعاون مع مبارك لهذه الملفات، ويعهد بالتفاصيل لوزارة الخارجية، بيد أن السيسي قلب هذه المعادلة تماما بنقل هذه الملفات إلى “الحربية”، ولم يكتف برسمها السياسات الخارجية، ولكن تلقين الإعلام المصري “رؤية” العسكر لحل هذه القضايا بصورة أظهرت ضعفا شديدا وعدم خبرة في التناول العسكري لقضايا حساسة تمس الأمن القومي.
أخطر القرارات 
وضمن هذه المنافسة بين المخابرات الحربية والخارجية ونقل الملفات الحيوية إلى الحربية، وجعل “الخارجية” فرعا للمخابرات الحربية، سعى السيسي لإصدار عدة قرارات تصب في خانة ما يمكن أن نطلق عليه “عسكرة الخارجية” أبرزها:
(أولا): قرار بإرسال الملحقين الدبلوماسيين الجدد للتدرب ستة أشهر في “الكلية الحربية” بالنسبة لشباب الدبلوماسيين، ومثلها في المخابرات الحربية، والتدريب في “معهد التمريض” العسكري بالنسبة للفتيات، ما دفع بعضهم للابتعاد عن العمل الدبلوماسي.
وجاء هذا في أعقاب عقد سامح شكري اتفاقًا مع الجيش، يتم بموجبه ابتعاث الملحقين الدبلوماسيين فور التحاقهم بالسلك الدبلوماسي لقضاء ستة أشهر في الكلية الحربية، بالإضافة إلى مدة شهر تقريبًا يقضونها في المخابرات العامة، “لحرص الرئاسة على اتسام العاملين بصفات عسكرية”، وفي إطار تقارب يربطه ببعض الشخصيات في القوات المسلحة.
(ثانيا): إبعاد دبلوماسيين مخضرمين إلى وزارات أخرى وأعمال إدارية بدعوى أنهم متعاطفون مع الإخوان وثوار يناير، وهذا تكرر عدة مرات.
وشهدت أول حركة تغيير دبلوماسية عقب الانقلاب في 26 يوليه 2014، تغيير 30 سفيرا، طالت السفراء الذين اتهمتهم أجهزة أمن السيسي بالتعاطف فكريا مع الإخوان أو الانتماء لهم.
وكان من المستبعدين حينئذ أيضا: سفير مصر في لندن أشرف الخولى، وسفير مصر في فرنسا محمد مصطفى كمال، ومندوب مصر في جنيف السفير وليد عبد الناصر، وسفير مصر في كندا وائل أبو المجد نجل المفكر السياسي البارز أحمد كمال أبو المجد، الذي أثار بعض الانتقادات أيضا.
نقل الدبلوماسيين 
وخلال شهرين فقط، نقل السيسي في 24 يوليه 2017، رسميا 7 من كبار الدبلوماسيين المخضرمين (30 تم إبعادهم في الحركة الدبلوماسية لعام 2014) إلى وظائف بوزارات متدنية مثل النقل والتنمية المحلية، بعدما ظلوا بلا عمل منذ عودتهم من وظائفهم عقب انقلاب السيسي.
واستند السيسي لقانون السلك الدبلوماسي الذي يمنح الحق للرئيس في نقل الدبلوماسيين للعمل بوظيفة أخرى في الجهاز الإداري للدولة بدعوى مقتضيات “الصالح العام”.
ومن أشهر هؤلاء الذين تم عقابهم السفير معتز أحمدين، الذي كان يتولى منصب مندوب مصر الدائم في الأمم المتحدة خلال تولي الرئيس محمد مرسي الحكم، والذي نقله السيسي إلى وزارة النقل، وكان بلا عمل منذ إنهاء ابتعاثه لمقر المنظمة اﻷممية في نيويورك في يوليو 2014.
والسفير أشرف حمدي الذي كان سفيرا لمصر في لبنان وهاجمته صحف الانقلاب، بعد حوار له مع جريدة لبنانية نسبت له تصريحات عن المصالحة مع الإخوان، ونفتها السفارة، وقيل أيضا إنه بسبب خلافه مع أجهزة السيسي السيادية حول إدارة ملف العلاقات الخارجية مع الطوائف السياسية في لبنان.
ترهل وانحطاط
وقال التقرير، إن أخطر ما في التسريبات الأخيرة هو إظهار خطورة ضعف خبرة المخابرات الحربية وترهل أدواتها في التعامل مع القضايا الحيوية لمصر بطريقة لا تنم عن أي خبرة استراتيجية أو دراسة لمواقفها المتسرعة والمتصادمة مع الثوابت التاريخية المصرية والعربية في قضايا مثل القدس.
وأضافت أن التسريبات أظهرت- بحسب التقرير- كيفية إدارة الدولة بشكل عام، وكيفية إدارة السياسة الخارجية على وجه الخصوص، وكيفية تناول ملف فلسطين بشكل أكثر دقة، من قبل جهاز المخابرات الحربية، وسيادة الأجهزة السيادية العسكرية على السياسة الخارجية.
وعلَّق السفير إبراهيم يسري، مدير إدارة فلسطين السابق بالخارجية المصرية، على التسريب الخاص بالقدس قائلا: إنه “كشف الفرق الشاسع بين التناول العسكري غير المهني للقضايا السياسية وبين التناول السياسي المحترف، والفرق الخطير بين التعليمات التي تصدر من مسئول عسكري في موضوعات سياسية للأذرع الإعلامية، والتعامل السياسي الدبلوماسي المستند لخبرة ودراسة”.
وقال، في تعليق على حسابه عبر فيس بوك: إن التناول السياسي للقضية الفلسطينية يستشرف كافة الجوانب التاريخية والقانونية وإدارة العلاقات الدولية، واستخلاص تسويات صالحة للبقاء، بينما التناول العسكري، الذي ظهر في التسريبات، يبين أن الأمر يجري فرضا وتسلطا وتجاهلا لكافة المعطيات”.
ملف النيل
وبرغم عدم وجود تسريبات حول كيفية تعامل “الحربية” مع ملفات مثل مياه النيل، أو السودان، يكشف التعامل الرسمي وتصريحات السيسي والخارجية استمرار نفس التعامل عديم الخبرة في التعامل مع هذه الملفات الخطيرة، وقصر تناولها على تلافي “الآثار الجانبية” لسد النهضة دون التعامل مع “الخطر الأصلي الحقيقي”، ما ينبئ عن غياب أي استراتيجية واضحة للتعامل مع هذه الملفات، ومن ثم تضييع حقوق مصر التاريخية.
فمنذ تولي الجنرال السيسي قضية مياه النيل، قدم أخطر تنازل لإثيوبيا بتوقيع اتفاقية سد النهضة عام 2014، ليهدم 3 ثوابت مصرية رئيسية واستراتيجية في هذه القضية هي: حق مصر في الفيتو على أية إنشاءات أو سدود على النيل – حق مصر في 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويا – التهديد العسكري المباشر بهدم أي سدود تبنى دون موافقة مصر.
وحين تناول السيسي، في آخر لقاء له بشهر يناير الجاري، مشكلة سد النهضة، وتحدث عن حلول لمنع العطش عن المصريين، لم يتطرق لكيفية تعامله مع أزمة سد النهضة، وأكدت تصريحاته أنه ليس لديه حل للمشكلة ويتعامل معه كأمر واقع.