كالوباء، تفشت في بلادنا نوعية رديئة من المثقفين أو بالأحرى أدعياء الثقافة، منحطون نعم، لكنهم لقربهم من بلاط السلطة والعبادة في محرابها آناء الليل وأطراف النهار، بات لهم حضور طاغٍ في ساحات الإعلام ومنابر الرأي.
ربما كان لهؤلاء صولات وجولات سابقة، لكنهم ومنذ 30 يونيو حتى يومنا هذا، باتوا أقرب إلى الدجالين منهم إلى المثقفين، تنتهك حرية الرأي والتعبير، بل وحرية الحياة نفسها، وتباع الأوطان في سوق النخاسة على يد الحكام المستبدين، وتطعن المقاومة ليل نهار، ويجري التطبيع مع الأعداء على قدم وساق، لكن هؤلاء الذين كانوا مثقفين يوما ما، تراهم ينظرون إلى الأحداث وهم لا يبصرون، فهم مطبلون ومبررون للطاغية جرائمه وللمستبد مظالمه.
انظر لكتابات إبراهيم عيسى وعماد حسين وعبد الحليم قنديل ومصطفى بكري وصلاح منتصر ومصطفى الفقي وخالد منتصر وغيرهم، ربما كانت كتابات بعضهم تتمتع ــــ سابقا ــ بقدر من الرصانة والاحترام، لكنهم الآن تحولوا إلى دجالين في مباخر السلطة لا هم لهم سوى تكريس الحكم العسكري الاستبدادي، مع المطالبة بتحسين شروط المعيشة تحت حكم السلطوية العسكرية المستبدة، والتغاضي عن جرائم النظام أو بمعنى أدق عدم القدرة على انتقاد الأوضاع المزرية بعد أن كانت لهم ألسنة حداد على الحكم الديمقراطي قبل 30 يونيو.
أنواع المثقف الوغد
ووفقا للأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور خليل العناني، فإن هؤلاء درجات: فمنهم أولا “مرتزقة الفكر” الذين يوظفون ثقافتهم وإمكاناتهم العقلية في خدمة أغراضٍ شخصية، مادية أو معنوية (المكانة الاجتماعية).
ومنهم “مثقفو السلطة” الذين يقفون على يمين السلطة، لا ليداهنوها فحسب، وإنما لينظروا ويبرّروا فسادها وقمعها، وهم في ذلك “ملكيون أكثر من الملك”.
ومنهم المتملقون، أو “المطبّلون” بالتعبير الشعبوي المصري، الذين لا يملكون فكراً، وإنما يمتلكون لساناً طويلاً ينافق ويداهن من أجل المال والشهرة.

من جانبنا، فقد تجاوزنا الشعور بالإحباط كلما تفوّهت أو هذيت هذه “العصبة” بآراء شاذّة، فقد تعودنا عليها إلى الدرجة التي أصبحت لا تلفت الانتباه، أو تستدعي التركيز مع “فرقعات” أصحابها. كما أن الإفلاس الفكري والثقافي لهؤلاء يجعل من البكاء عليهم أو “العشم” في حكمتهم ورجاحة عقلهم في غير محلّه. صحيحٌ أن لهم حضورا إعلاميا طاغيا، إلا أن ذلك لا ينفصل عن طبيعة السياق الذي ينشطون فيه، كي يخرجوا بهذه الآراء الشاذّة. فكثيرون منهم، إن لم يكن جميعهم، مرتبطون بالسلطة، ويدورون مع مزاج أهلها أينما دار. والواحد منهم إن لم يكن مستفيدا منها فهو متزلفٌ لها، وراغبٌ في رضاها، وآمنٌ لشرّها، ولو إلى حين، أو هكذا يعتقدون. وهو ما يخرجهم من زمرة “المثقفين” الحقيقيين، ليضعهم في فئة “المثقف الزائف”.
4 سمات للمثقف الوغد
ويوضح العناني- في مقاله اليوم بعنوان «بين المثقف الوغد والمثقف الزائف»- أربع سمات لهؤلاء الدجالين، فهم من كثرة انتشارهم وحضورهم في المجال العام، المكاني والافتراضي، لم يعد اكتشافهم صعباً، ولم يعد تصنيفهم ووضعهم في واحدةٍ من الفئات المشار إليها أمرا محيّراً، فعلامات حضورهم واضحة، ويمكن الإشارة إلى 4 علامات منها:
أولها، يدّعي هؤلاء “المثقفون” أنهم يحملون مشعل الحداثة والتنوير، ويمارسون ليس فقط نزقاً فكرياً وفلسفياً، وإنما يدّعون السمو والتفوق الأخلاقي على ثقافتهم وتراثهم ومجتمعاتهم. ولكن حداثتهم وتنويرهم يقفان عند حدود ممالأة السلطة، وليس نقدها.

ثانيها، يمثل نقد الدين (وليس فقط التديّن)، والهجوم عليه بالنسبة لهؤلاء، جواز مرور إلى المجال العام، وكسب الشهرة، من خلال إطلاق تصريحاتٍ واتخاذ مواقف شاذّة. وقد بنى كثيرون منهم أسماءهم وشهرتهم وثرواتهم، ولا يزالون، من هذا الباب. وهو ما يعكس ليس فقط عجزا وإفلاسا فكريا، إنما يعكس أيضا تراجعا وانحطاطا أخلاقيا. لذا فكثيرا ما تحتفي بهم المنابر الإعلامية التي تحتقر الدين، ومن يمثلونه، أو تلك التي تمولها جهات خارجية غارقة في الإسلاموفوبيا. ومن هؤلاء الشاب المصري الذي صنع شهرته من الطعن في صحيحي البخاري ومسلم. وذلك الصحفي “اللامع” صاحب الحمّالات الشهيرة الذي انتقل من الحديث في السياسة إلى الإفتاء في الدين، باعتباره ملعبا مضمونا بعيدا عن أعين السلطة. وذلك الذي بدأ يقدّم نفسه للغرب باعتباره “مثقفاً” تنويريا، يأخذ على عاتقه مهمة تجديد الخطاب الديني. أو الطبيب الذي يشمئز من كل ما له علاقة بالدين، حتى ولو كان دعاء “ركوب الطائرة” و”الذهاب إلى الخلاء”. أو الصحفي الشهير الذي استهزأ بلحية لاعب الكرة المصري محمد صلاح، وطالبه بحلقها.
أما السمة الثالثة للمثقف الوغد أو الزائف، فإن قضية فلسطين وشعبها بالنسبة لهؤلاء المثقفين “المزيفين” تمثل “كبش الفداء” و”حائط المبكى” الذي يعلقون عليه خيبات بلادهم وحكوماتهم. وهم لا يتوقفون عن ممارسة التنظير والاستعلاء على الفلسطينيين، كأن يلوموهم على ما وصلت إليه أوضاعهم، أو يعايروهم بما قدّمته حكومات بلادهم للقضية الفلسطينية، بلغةٍ رخيصةٍ لا تخلو من نذالة. في حين يذهب بعضهم أكثر من ذلك، حين يبرّر ما تفعله إسرائيل بحق الفلسطينيين، وهم ينتمون لتيار أسماه العناني تيار “المتصهينين العرب” الذين يتبنون مقولات إسرائيل ومنطقها في التعاطي مع المسألة الفلسطينية.
والسمة الرابعة لهؤلاء “التنويريين” المزيفين أنهم يتبنّون الليبرالية، في حين أنهم على أتم الاستعداد للتحالف مع الأنظمة السلطوية، بما فيها الفاشية العسكرية، ويدافعون عن إجراءاتها القمعية في مواجهة خصومهم، خصوصا من التيارات الإسلامية. وهم هنا يتبنّون ليبرالية زائفة لا تقترب من عتبة الاستبداد بكلمة أو نقد. ولا يضيرهم هنا أن يصل الاستبداد إلى منتهاه، ولو على حساب حريات خصومهم وأرواحهم.
هذه بعض صفات “المثقفين” العرب الذين يهيمنون الآن على سوق الكلام، ويسعون إلى احتكار الحديث باسم الثقافة والفكر، في حين أنهم ليسوا سوى مجرد بائعي أوهام، أو أوغاد كما أسماهم الدكتور فهمي جدعان.