يقول الشاعر العراقي مظفر النواب، في قصيدته الشهيرة “القدس عروس عروبتكم”، مسجلا خيانة حكام العرب الذين اشتروا عروشهم وباعوا أمامه المسجد الأقصى وباقي مقدسات المسلمين في القدس الشريف:
“من باع فلسطين وأثرى بالله
سوى قائمة الشحاذين على عتبات الحكام
ومائدة الدول الكبرى؟
لست خجولا حين أصارحكم بحقيقتكم
إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم
تتحرك دكة غسل الموتى أما أنتم
لا تهتز لكم قصبة
الآن أعريكم”.
هكذا تتضح الحقيقة التي كشفتها عمالة حكام العرب لدعم الكيان الصهيوني في الاستيلاء على مقدسات المسلمين، والذين صمتوا أمام نقل السفارة الأمريكية للقدس بديلا عن تل أبيب، بالإضافة إلى نقل 13 سفارة أخرى.
بل إن موقعًا إسرائيليًا كشف عن أن كلا من السعودية ومصر تضغطان على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لكي يكون “براجماتيا”، ويقبل الصفقة التي تعرف باسم صفقة القرن، وتنص على توطين الفلسطينيين في سيناء وترك القدس للكيان الصهيوني.
بل إن حكام العرب الذين تنازلوا عن مقدسات المسلمين مقابل البقاء في عروشهم، استمروا في تنازلاتهم، حتى أهدروا ثروات العرب والمسلمين، والتي كان من بينها منح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان 450 مليار دولار للولايات المتحدة الأمريكية التي ترعى صفقة القرن.
ما بين عبد الحميد وعبد الفتاح
بل إن قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في مصر كان أول من أعاد الحديث عن صفقة القرن، وعرض توطين الفلسطينيين في سيناء مقابل الحصول على رضا الكيان الصهيوني، ودعمه في الانقلاب على الرئيس محمد مرسي.
في حين قال السلطان عبد الحميد الثاني، آخر خلفاء الدولة العثمانية، حينما عرض عليه “هرتزل” التنازل عن فلسطين لتسكين اليهود بها: “انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني؛ بل هي ملك الأمة الإسلامية”.
ورفض السلطان عبد الحميد رشوة بقيمة خمسة ملايين ليرة ذهبية، عرضها الصهيوني ثيودور هرتزل، الصحفي النمساوي الصهيوني، لإيجاد موطئ قدم لليهود في فلسطين، وقد طرده السلطان من مجلسه.
وكتب عبد الحميد، لاحقاً، يقول لبعض الوسطاء: “لقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مُزِّقت دولة الخلافة ذات يوم فإنهم يستطيعون أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حيٌّ فإن عمل المبضع في بدني لأَهونُ عليَّ من أن أرى فلسطين قد بُترت من دولة الخلافة، وهذا أمر لن يكون.. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة”.
كان الحادث المهم الذي أثار أوروبا ضد السلطان عبد الحميد هو رفضه إسكان وتوطين المهاجرين اليهود في فلسطين، فقد كانت أوروبا المسيحية تريد تصدير مشكلة اليهود التي تعانيها إلى الدولة العثمانية.
وكان أول اتصال بين هرتزل رئيس الجمعية الصهيونية، والسلطان عبد الحميد، بعد وساطة قام بها سفير النمسا في إسطنبول، في مايو 1901، وعرض هرتزل على السلطان توطين اليهود بفلسطين، وفي المقابل سيقدم اليهود في الحال عدة ملايين من الليرات العثمانية الذهبية هديةً ضخمةً للسلطان، وسيُقرضون الخزينة العثمانية مبلغ مليوني ليرة أخرى.
أدرك السلطان أن هرتزل يقدِّم له رشوة من أجل تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وبمجرد تحقيقهم أكثرية سكانية سيطالبون بالحكم الذاتي، مستندين إلى الدول الأوروبية.. فأخرجه السلطان من حضرته بصورة عنيفة، حتى دفع السلطان عبد الحميد عرشه ثمنا لرفض توطين اليهود في فلسطين.
واليوم، وبعد أكثر من 117 عاماً، تقدِّم دول عربية وإسلامية تلك الرشوة وتدفع ذلك الثمن، ليس لإيقاف مخطط تصفية القضية الفلسطينية؛ بل لتمريره وإقراره، مقابل الدعم والنفوذ.
ومؤخراً، سطع نجم السعودية والإمارات والبحرين بهذا الملف، وتصدَّروا المشهد في الحديث عن “حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها” وحقها في “إقامة وطن ودولة”، فضلاً عن لقاءات سرية تجمع بين مسئولين عرب وإسرائيليين من تلك الدول الثلاث، إلى جانب مصر.
وفي حين استولت العصابات الصهيونية، وسط صمت عالمي، على 77% من أرض فلسطين، استمر مشروع الاحتلال الإسرائيلي إلى ما بعد 15 مايو 1948.
فمع مرور الوقت، تغيّرت أساليب الاحتلال الإسرائيلي بالاستيلاء على ما تبقى من فلسطين؛ فاستمر عام 1967 باحتلال ما تبقى منها- الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس كاملةً- وانتهاك حقوق أهلها واستباحة دمائهم، وفي المقابل استمر الكفاح المسلّح من الجانب الفلسطيني والنضال بأشكال عدة ضد الاحتلال.
وفي عام 1993، بعد إنشاء السلطة الفلسطينية واعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وتوقيع اتفاقية “أوسلو”، استمر الاحتلال في محاولات الاستيلاء على الأرض الفلسطينية عن طريق فرض سياسة “الأمر الواقع” بالتوسع في الاستيطان بالضفة الغربية وشرقي القدس.
في نهاية أكتوبر 2017، قال مركز الإحصاء الفلسطيني إن المتبقي من مساحة فلسطين التاريخية هو 15%، وهي آخر إحصائية قبل أن ينهش الاستيطان المزيد من الأرض عقب اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال.
وقالت رئيسة “الإحصاء الفلسطيني”، علا عوض، في تصريح آنذاك: إنّ “الاحتلال الإسرائيلي يستغل أكثر من 85 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية؛ إذ لم يتبقَ للفلسطينيين سوى نحو 15 في المئة من مساحة الأراضي فقط، وبلغت نسبة الفلسطينيين 48 في المئة من إجمالي السكان في فلسطين التاريخية”.
وتطرّقت إلى أنه في قطاع غزة، أقام الاحتلال الإسرائيلي منطقة عازلة على طول الشريط الحدودي بعرض يزيد على (1.500 متر) على طول الحدود الشرقية للقطاع، وبهذا يسيطر الاحتلال الإسرائيلي على نحو 24 في المئة من مساحة القطاع، الذي يعتبر من أكثر المناطق ازدحاماً وكثافة في السكان.
أما في الضفة الغربية، فتسيطر إسرائيل على أكثر من 90 في المئة من مساحة غور الأردن، الذي يشكِّل ما نسبته 29 في المئة من إجمالي مساحة الضفة الغربية، بالإضافة إلى جدار الضم والتوسع، الذي عزل أكثر من 12 في المئة من مساحة الضفة الغربية.
وفيما يتعلق بالمواقع الاستعمارية والقواعد العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية، فقد أوضحت عوض أن عددها بلغ 413 موقعاً، منها 150 مستعمرة و119 بؤرة استعمارية، يقطنها 617.291 مستعمراً؛ إذ تشكّل نسبة المستعمرين إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية نحو 21 مستعمراً مقابل كل 100 فلسطيني، وبلغت في محافظة القدس نحو 69 مستعمراً مقابل كل 100 فلسطيني (سياسة تهويد القدس).