تواجه مصر والأردن اختبارًا سياسيًا وأمنيًا متزايدًا مع اتساع نطاق التوترات الإقليمية، وتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وما ترتب عليها من هجمات طالت دولًا خليجية وأراضي أردنية، بالتزامن مع إعادة ترتيب عدد من دول المنطقة لتحالفاتها الأمنية والعسكرية.
وتعيد التطورات الأخيرة طرح تساؤلات بشأن الدور الذي تلعبه القاهرة وعمّان في منظومة الأمن الإقليمي، ومدى قدرة التحالفات التقليدية على الصمود أمام المتغيرات الجديدة، خصوصًا في ظل تزايد اعتماد دول الخليج على بناء ترتيبات دفاعية مباشرة فيما بينها.
تعهدات مصرية تحت الاختبار
ورغم تاكيدات المنقلب السفيه ،عبد الفتاح السيسي أن أمن دول الخليج يمثل جزءًا من الأمن القومي المصري، "مسافة السكة "وسبق أن تعهد خلال حملته الانتخابية بأن مصر ستكون إلى جانب دول الخليج إذا تعرض أمنها للخطر، لكن الحرب الأخيرة أعادت هذه التصريحات إلى دائرة النقاش، في ظل عدم ظهور مشاركة عسكرية مصرية واسعة ومعلنة في الدفاع عن دول الخليج التي تعرضت لهجمات إيرانية، رغم أن دولًا خليجية كانت من أبرز الداعمين لمصر اقتصاديًا وسياسيًا منذ عام 2013.
وبحسب المعطيات الواردة فإن القاهرة اتخذت موقفًا حذرًا من الانخراط المباشر في الحرب، مبررة ذلك بوجود تهديدات أخرى تواجهها على حدودها، فضلًا عن حاجة مصر إلى تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تكون لها تداعيات اقتصادية وأمنية كبيرة.
وفي المقابل، أثار هذا الموقف تساؤلات لدى بعض الحلفاء الخليجيين بشأن حجم الدور الذي تستطيع القاهرة القيام به في منظومة الأمن الإقليمي.
الاقتصاد المصري بين مؤشرات التحسن ومخاطر المنطقة
ويأتي ذلك في وقت تظهر فيه بعض المؤشرات تحسنًا نسبيًا في الاقتصاد المصري. حيث هناك مؤشرات تتوقع نمو الاقتصاد المصري بنسبة 4.6% خلال العام الحالي، بالتزامن مع إفراج صندوق النقد الدولي عن الدفعة الأخيرة، البالغة 1.8 مليار دولار، من اتفاقية قرض تمتد لأربع سنوات.
كما حافظ قطاع السياحة على معدلات نمو ملحوظة، إذ استقبلت مصر أكثر من 9 ملايين سائح خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة قدرها نحو 3% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
وتعد السياحة أحد المصادر الرئيسية للعملة الأجنبية في مصر، حيث يوفر القطاع نسبة مهمة من فرص العمل، وفق الأرقام الواردة في المادة.
كما سجلت قناة السويس تحسنًا في الإيرادات، التي ارتفعت بنسبة 30% إلى نحو 2.4 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، في حين وصلت تحويلات المصريين العاملين في الخارج إلى مستويات قياسية حتى يونيو.
لكن هذه المؤشرات الإيجابية تواجه مخاطر مرتبطة بالتطورات الإقليمية، خصوصًا استمرار التوترات في البحر الأحمر، وما يمكن أن تسببه من تأثيرات على حركة الملاحة وإيرادات قناة السويس.
كما أن أي تباطؤ اقتصادي في دول الخليج قد ينعكس على تحويلات المصريين العاملين هناك، وهو ما يمثل مصدر ضغط إضافيًا على تدفقات النقد الأجنبي.
وفي ظل الضغوط الاقتصادية، اتجهت الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الكهرباء بنسبة 12%.
القاهرة وحرب إيران.. حضور محدود
لم تلعب مصر دورًا بارزًا في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بينما برزت أدوار دول أخرى، من بينها تركيا وباكستان ودول الخليج.
ويشير التقرير إلى أن تراجع الدور المصري جاء رغم امتلاك القاهرة أكبر قوة عسكرية في العالم العربي، ورغم العلاقات التاريخية التي تربطها بدول الخليج.
وفي المقابل، ترى مصادر في القاهرة أن دول الخليج تمتلك حلفاء آخرين يمكنهم تقديم الدعم العسكري، وأن مصر تواجه في الوقت نفسه تهديدات متعددة على حدودها، الأمر الذي يفسر موقفها الحذر من الانخراط المباشر في الحرب.
انتقادات خليجية للدور المصري
وأثارت التطورات انتقادات من بعض المسئولين الخليجيين تجاه ما اعتُبر ضعفًا في الاستجابة العربية للهجمات الإيرانية. وفي مارس، انتقد أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، ما وصفه بتقاعس الدول العربية الكبرى في وقت تعرضت فيه دول الخليج لهجمات، متسائلًا: "أين أنتم اليوم في وقت الشدة؟"
وفي الوقت نفسه، كانت مصر قد نشرت سربًا من مقاتلات «رافال» في الإمارات، وفق ما ورد في المادة، إلا أن الإعلان عن وجود هذه الطائرات جاء في مايو.
ورغم ذلك، ظل مستوى المشاركة المصرية في المواجهة الإقليمية محل تساؤل، خصوصًا مع استمرار الهجمات التي استهدفت دول الخليج.
اتفاق السعودية وتركيا وباكستان
ومن أبرز المؤشرات على إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع مشترك في أغسطس، من دون انضمام مصر إليه في مرحلته الأولى. ويعكس هذا الاتفاق توجهًا متزايدًا نحو بناء ترتيبات أمنية إقليمية يمكن لدول المنطقة من خلالها تحمل مسئولية أكبر عن الدفاع عن نفسها، خصوصًا مع تزايد الشكوك بشأن استمرار الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية.
وأشارت تقارير إلى أن السعودية أبقت الباب مفتوحًا أمام إمكانية انضمام مصر مستقبلًا، وهو ما يعني أن استبعاد القاهرة من الاتفاق الحالي قد لا يمثل بالضرورة قطيعة مع دورها الإقليمي، لكنه يعكس تغيرًا في طبيعة التحالفات.
الأردن.. في قلب المواجهة رغم تجنبها
على الجانب الآخر، يجد الأردن نفسه في وضع أكثر تعقيدًا. فالمملكة التي أعلنت مرارًا رفضها التحول إلى ساحة للصراعات الإقليمية، أصبحت في قلب المواجهة بسبب استضافتها قوات وقواعد عسكرية أمريكية.
وتستضيف قاعدة «موفق السلطي» في شرق الأردن قوات أمريكية، إلى جانب طائرات مقاتلة وناقلات وقود وطائرات عسكرية أخرى، وفق المادة.
وبسبب هذا الوجود العسكري، تعرض الأردن لهجمات إيرانية، حيث تشير الأرقام الواردة في التقرير إلى إطلاق ما لا يقل عن 262 صاروخًا وطائرة مسيرة باتجاه المملكة خلال الشهر الأول من الحرب.
المساعدات الأمريكية تحد من خيارات عمّان
ويواجه الأردن معادلة صعبة بين المخاطر الأمنية والاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة. فخلال العام الماضي حصل الأردن على أكثر من 1.6 مليار دولار من المساعدات الأمريكية، بما يعادل نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي، كما تعهدت واشنطن بتقديم 355 مليون دولار إضافية لمشروعات تتعلق بالبنية التحتية والتعليم وغيرها.
وتزداد أهمية هذه المساعدات في ظل التأثيرات الاقتصادية للحرب، التي أدت إلى إلغاء رحلات جوية وتراجع أعداد السياح، حيث انخفضت عائدات السياحة الأردنية بنحو 10% خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
الطاقة تضيف عبئًا جديدًا على الأردن
وتواجه المملكة أيضًا ضغوطًا في قطاع الطاقة، إذ يعتمد الأردن على الغاز الطبيعي المستورد من إسرائيل لتوفير نحو نصف احتياجاته من الكهرباء.
ومع اندلاع الحرب، توقفت صادرات الغاز لفترة، ما دفع الأردن إلى استخدام بدائل أكثر تكلفة، بينها الديزل وزيت الوقود الثقيل والغاز الطبيعي المسال.
ورغم استئناف صادرات الغاز في أبريل، تشير توقعات صندوق النقد الدولي، بحسب المادة، إلى ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة الأردنية بنسبة 36% خلال عام 2026 مقارنة بالعام السابق.
إيران تراهن على الخلافات الداخلية
سياسيًا، حاولت إيران، وفق التقرير، تقديم رسائل موجهة إلى الشعب الأردني تفصل بين موقفها من الحكومة وموقفها من المواطنين، وتحمل الولايات المتحدة مسئولية تحويل الأردن إلى طرف في المواجهة.
لكن هذه الرسائل تأتي في ظل انقسام داخلي بشأن الوجود العسكري الأمريكي، حيث وقع مئات السياسيين والضباط المتقاعدين وشخصيات عامة على رسالة تطالب بانسحاب القوات الأمريكية من المملكة.
وتجد الحكومة الأردنية نفسها أمام معادلة صعبة؛ فمن جهة تواجه مخاطر أمنية مباشرة نتيجة موقعها الجغرافي وعلاقاتها العسكرية مع واشنطن، ومن جهة أخرى تحتاج إلى المساعدات الأمريكية التي تمثل عنصرًا أساسيًا في دعم الاقتصاد الأردني.
نظام إقليمي جديد
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الشرق الأوسط قد يكون مقبلًا على إعادة تشكيل لمنظومة التحالفات الأمنية. فدول الخليج تبدو أكثر ميلًا إلى بناء ترتيبات دفاعية مباشرة، كما يظهر في الاتفاق السعودي التركي الباكستاني، بينما تواجه مصر تساؤلات حول قدرتها على الحفاظ على دورها التقليدي كقوة عسكرية وسياسية رئيسية في المنطقة. أما الأردن، فيجد نفسه أمام تحدي الحفاظ على تحالفه مع الولايات المتحدة، دون أن يتحول إلى ساحة مباشرة للصراع الإقليمي.
وبينما تحاول القاهرة تجنب التورط في حرب واسعة حفاظًا على مصالحها الأمنية والاقتصادية، تدفع عمّان بالفعل جزءًا من تكلفة المواجهة نتيجة موقعها الجغرافي واستضافتها للقوات الأمريكية.
وفي المحصلة، تكشف الحرب الأخيرة عن تحولات تتجاوز حدود المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، لتطرح سؤالًا أوسع حول مستقبل الأمن الإقليمي، ودور القوى العربية التقليدية، وما إذا كانت دول المنطقة تتجه بالفعل نحو بناء منظومة دفاع جديدة أقل اعتمادًا على التحالفات التقليدية وأكثر اعتمادًا على القدرات الإقليمية المشتركة.