في تطور لافت على صعيد السياسات المالية والنقدية، أعلن السفيه عبدالفتاح السيسي عن توجه جديد يهدف إلى هيكلة جانب من الالتزامات العامة؛ بالموافقة رسمياً على مقترح استراتيجي يقضي بإصدار "صكوك ضريبية" يتم تمويلها بشكل مباشر من جانب الممولين ودافعي الضرائب، على أن تخصم قيمتها لاحقاً من التزاماتهم الضريبية المستقبلية، شريطة منح عائدات تنافسية ومناسبة للمستثمرين.
وقد أوضح المتحدث الرسمي باسم "الرئاسة"، محمد الشناوي، في بيان رسمي، أن هذه الخطوة تأتي في صلب استراتيجية الدولة الرامية إلى خفض الاحتياجات التمويلية العاجلة، وبالتالي تقليص فاتورة خدمة الدين العام التي تثقل كاهل الموازنة العامة.
وجاءت هذه الموافقة الرئاسية بالتزامن مع مباحثات استعرضت مستجدات التحوط ضد تقلبات أسعار النفط العالمية، مما يعكس حالة الطوارئ المستمرة في إدارة الملف الاقتصادي وسط التحديات الجيوسياسية والإقليمية المتلاحقة التي تواجهها البلاد منذ سنوات طويلة وتلقي بظلالها الثقيلة على تدفقات العملة الصعبة وتكلفة الاقتراض الدولي والمحلي.
صكوك الضرائب
وتوجت الحكومة هذه الحزمة من الأدوات بموافقة رسمية على مقترح "صكوك الضرائب" (أو التوريق الضريبي)، والتي تتيح للحكومة الحصول على تمويل فوري مقابل التنازل عن جزء من حصيلة الضرائب المستقبلية لصالح المستثمرين والبنوك المشاركة.
في قراءته التحليلية المستفيضة لهذا المقترح، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع خطورة هذه الآلية مشيراً بوضوح إلى أن «الدولة كانت تستهلك إيراداتها المستقبلية مقدمًا دون مورد جديد للسداد»، وينبه نافع إلى أن الاستثمار السليم والرشيد يتطلب دائماً توجيه التمويل نحو أصول إنتاجية حقيقية جديدة تولد دخلاً إضافياً تسدد منه الالتزامات، بينما تمثل صكوك الضرائب استهلاكاً بحتاً لإيرادات أصلية كانت ستدخل الخزينة حتماً بمرور الوقت، مما يجعل الدولة بمثابة من "يأكل من الغد لتسد جَوع اليوم"، ويخلق فجوة مالية أعمق وأكثر خطورة على المدى الطويل.
وفي ذات السياق، يلتقي هذا الطرح تماماً مع ما ذهب إليه الدكتور وليد الشلقامي في تفكيكه الفني والعملي لآلية العمل: "ببساطة شديدة، الصكوك الضريبية معناها إن الدولة تأخذ الفلوس النهارده بضمان جزء من حصيلة الضرائب المتوقعة في المستقبل؛ يعني بدل ما تستنى ضرائب السنة الجاية تتحصل، بتحول جزء من الإيرادات المستقبلية لسيولة دلوقتي، والمستثمر اللى دفع الفلوس بياخد عائد، وبعد انتهاء المدة يسترد أمواله وفقا لشروط الصك. بالمختصر، إحنا بنصرف النهاردة من دخل بكرة ..!!! وده مش حل للأزمة لو الفلوس هتستخدم فقط لسد العجز والمصروفات الحالية، بالعكس، ممكن يكون مجرد ترحيل للمشكلة للأمام، لأنك تحل أزمة سيولة النهارده مقابل تحميل الموازنة بالتزامات جديدة فى المستقبل، يعني بمنطق بسيط جدا، احيني النهارده وموتني بكرة.".
https://x.com/ShalakamyWaleed/status/2086917604221071706
وفي ردود الفعل الرسمية والمبررات الحكومية، أوضح رجب محروس، مستشار رئيس مصلحة الضرائب، أن الصكوك التمويلية تُعد أداة مالية لسداد المستحقات المستقبلية بعائد معفى من الضرائب، وهو ما يؤكد تكاملياً صحة تحليلات الخبراء بأن الهدف الأساسي والرئيسي هو توفير سيولة عاجلة عبر رهن التدفقات الضريبية القادمة للخزينة.
مقاطعة صكوك الضرائب مع "قانون المقابلة"
من زاويته الحقوقية والاجتماعية الرصينة، يربط الحقوقي ناصر أمين بين السياسات المالية الحالية ومحطات تاريخية موغلة في القدم تشابهها في الجوهر، وتحديداً "قانون المقابلة" الذي صدر في عصر الخديوي إسماعيل عام 1871 لمواجهة أزمة الديون الأجنبية المتراكمة نتيجة التوسع المفرط في الاستدانة والإنفاق البذخي.
يشير أمين إلى أن فكرة تحصيل الضرائب مقدماً مقابل إعفاءات أو تنازلات مستقبلية أدت تاريخياً إلى كوارث كبرى تمثلت في حرمان الخزينة العامة من مواردها الأساسية والدائمة، وإثقال كاهل الفلاحين والفقراء الذين اضطروا للاستدانة لدفع الضرائب المفروضة، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لإنشاء "صندوق الدين العام" وزيادة التدخلات الأجنبية السافرة في شؤون البلاد وصولاً إلى الاحتلال، ويحذر أمين بجدية بالغة من أن تكرار هذه المعالجات اليوم يعني أن الإدارة الاقتصادية تسير نحو الخلف بخطى حثيثة تعيد إنتاج أزمات القرن التاسع عشر بحذافيرها.
وفي توثيق تاريخي لرؤيته، كتب ناصر أمين: "قانون المقابلة في عصر الخديوي اسماعيل وبالتحديد في عام 1871، غرقت مصر في الديون نتيجة الاستدانة من البنوك الاجنبية للصرف على مشروعات الخديوي التي كانت تتسم بالبذخ ، وامام عجز الخديوي عن سداد الديون للبنوك الأجنبية ، استحدث آلية تسمح له بتحصيل 6 أمثال الضرائب مستقبلا على أن يحصل الممول على إعفاء دائم بنسبة تعادل 50% من قيمة الضريبة السنوية مستقبلا ، ثم صدرت تلك الآلية في قانون سمى (قانون المقابلة ) وبعد تطبيق هذا القانون عدة سنوات أُلغي عام 1880 ، بعد أن صادرت الحكومة الأموال التي جمعتها مسبقا من الممولين وألغت الإعفاء الذي كان مقررا لهم، وقد خلّف هذا القانون كوارث عديدة أهمها : 1- أنه قد حرم خزينة الدولة من قيمة الضرائب السنوية التي كانت تحصل من الممولين في السنوات التالية لتطبيقه للصرف على الخدمات العامة للمواطنين . 2- أن شكل عبئا كبيرا على الفلاحين والفقراء الذين اضطروا للاستدانة لدفع الضرائب مستقبلا . 3- أنه تسبب من أجل إلغائه إلى إنشاء ما سُمي (صندوق الدين العام ) عام 1887 الذي أشرفت عليه الدول الأجنبية الدائنة، وكان المقدمة الأولى للاحتلال الإنجليزي لمصر، وذكر أن تطبيق هذا القانون كان يعد أحد أهم الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورة العُرابية ، بعد أن اتسعت مساحة التدخلات من الدول الدائنة في إدارة شؤون الحكم في البلاد، من أجل سداد الديون التي أسرف الخديوي في اقتراضها، ومازلت أرى أن نظام الحكم الحالي مازال يسير بسرعة رهيبة نحو الخلف ، فقد عدنا الآن إلى واقع وحلول عام 1871 .
https://x.com/NasserAmi/status/2086862734092611909
من مقايضة الأصول إلى صكوك الضرائب
ويبحث مساعدو السيسي الاقتصاديين عن نوافذ تمويلية لمواجهة الصدمات النقدية المتتالية على سبيل الإعلان أن الهدف هو: الحد من أعباء خدمة الدين المحلي والخارجي. وفي هذا السياق، برزت عدة محطات أساسية تعكس استراتيجية إدارة الأزمات المالية، بدءاً من صفقات الطروحات الخاصة والترتيبات الإقليمية، مروراً بأدوات الدين المحلية الموجهة للأفراد، ووصولاً إلى أحدث المقترحات الخاصة بتوريق الضرائب.
وقال مراقبون: "إن توريق الضرائب تقوم أساساً على فكرة "توفير الكاش السريع" مهما كانت التكلفة الاستراتيجية أو المستقبلية، وهذا النهج المعتمد على ترحيل الأعباء وإيجاد حلول آنية فتح باباً واسعاً للنقاش الحاد بين الاقتصاديين والحقوقيين حول مآلات هذه السياسات على الاقتصاد الكلي، والاستدامة المالية، ومستوى العدالة الاجتماعية المفقود تدريجياً في ظل الهيكل الضريبي الحالي".
تنويع الأدوات أم ترحيل للأزمات؟
وضمن المساعي الحكومية لتوفير العملة الأجنبية والتمويل المحلي، برزت عدة إصدارات وصيغ مالية خلال الفترات الماضية كجزء من محفظة الأدوات المتاحة:
صكوك مليار دولار للكويت، ففي إطار سداد التزامات الدين الخارجي وتدبير السيولة الدولارية، اتجهت الحكومة لإصدار صكوك بقيمة مليار دولار في طرح خاص موجه لدولة الكويت لأجل 3 سنوات بعائد نصف سنوي. وتطلب هذا الإصدار تخصيص مساحات أراضٍ واسعة في محافظة البحر الأحمر لصالح وزارة المالية لاستخدامها في "خفض الدين العام وإصدار الصكوك السيادية"، استجابة للاشتراطات الشرعية الإسلامية التي تربط الصكوك بأصول حقيقية ملموسة وليست مجرد ديون مجردة بلا غطاء عيني.
وكانت الخطوة الأخرى المتعلقة بالصكوك "سند المواطن" الذي جاء كتحرك تكتيكي لامتصاص السيولة المحلية المتواجدة في السوق وتوجيهها نحو الموازنة، أطلقت الحكومة "سند المواطن" بعائد سنوي مرتفع نسبياً ومصروف شهرياً، مع نية واضحة لتطويره إلى إصدار شهري بعائد متغير يتناسب مع معدلات التضخم وظروف السوق المتقلبة. وقد استهدفت الحكومة من خلاله جذب صغار المدخرين، ورغم إعفائه مبدئياً من الضرائب، إلا أنه يمثل أداة اقتراض محلية جديدة تضاف إلى إجمالي أعباء الدين العام وفوائده المركبة.
أصوات الشارع ورؤى المتخصصين
لم تقتصر الانتقادات النقدية على الجوانب النظرية والتاريخية، بل امتدت لتشمل انعكاسات هذه السياسات على مناخ الاستثمار الحقيقي والقطاع الإنتاجي في الدولة، وفي هذا السياق، عبر المتابعون والمتخصصون عن استيائهم العميق من استمرار الاعتماد المفرط على الحلول التقليدية في الاستدانة، وبيع الأصول الاستراتيجية، وزيادة الأعباء الضريبية دون إحداث تنمية اقتصادية حقيقية ومستدامة.
وعبرت الكاتبة علا عمر عن خطورة تفاقم الأعباء الضريبية وغياب الرؤية الصناعية والإنتاجية السليمة قائلة: "المشكلة عند الدولة والصناعة اللي تتأثر بقوة الركود والأسعار الانفجارية والاقتصاد وشركات الاتصالات اللي تخرج واحدة واحدة برا المنظومة، المشكلة مش عند الشعب طول عمره الشعب بيتصرف، مفيش عاقل فيه ذرة عقل بيحتكر التكنولوجيا والصناعة ويحط لها قوانين وأسعار لدولته هو فقط على هواه [برا السوق العالمي ] ويقفل عليه الأوضة هتنفجر في وشه زي ما حصل في الهند، دراسة اقتصادية وجدت أنه كل زيادة بنسبة 1% في الضرائب يمكن أن تزيد التهرب الجمركي بنسبة 3% في بعض الأسواق، و التحول تدريجيا إلى السوق السوداء، مما يشير إلى أن الضرائب فوق مستويات معينة تشجع التجارة غير الرسمية والتهريب، أبحاث اقتصاد دولية تبين أن ارتفاع التعريفات الجمركية غالبًا يرتبط [بتراجع الإنتاجية] وتقليل النمو الاقتصادي إذا لم يقابله فتح تجاري أو دعم للصناعة بقوة… اللي يطبل ويهلل لموظف غبى صحى من النوم أخد قرار مصيري في سلعة مهمة يتبعه عواجيز الفرح المهللين ده بيهد في البلد و مش فارقة معاه"
https://x.com/OlaOmaar/status/2016073783673590097