بعد أيام قليلة من انتحار أسرة كاملة بالإسكندرية بطلتها مهندسة و6 من أبنائها فأثارت صدمة واسعة، بعدما تردد أنها دخلت في حالة يأس شديد دفعتها إلى اتخاذ قرار مأساوي يتعلق بأبنائها الستة، في سياق من الفقر المتفاقم والعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية؛ ظهرت حادثة جديدة تداولها مستخدمون على مواقع التواصل، حيث شهدت محافظة دمياط حادثة مؤلمة بعدما أقدم رجل مسن على إنهاء حياته أمام بوابة القومسيون الطبي في منطقة غيط النصارى، وفق ما تداوله شهود عيان على مواقع التواصل الاجتماعي.
وكتب أحد المستخدمين تعليقًا على الحادث: “الإجراءات قاتلة في كل المصالح، الموظفين مجرمين وبيصعبوا الأمور على البسطاء، الناس متسلطة على بعض، مفيش قانون يحل معضلة المعاناة في البلد.".
وكتب مواطن: “الراجل ده ذنبه في رقبة كل واحد سرق معاشات الناس، محدش رحمه في إجراءات معاشه، شنق نفسه حسبي الله ونعم الوكيل”.
وعلق آخر، ".. الخشن اللي علم على قفا البنوك وقلبهم وضحك على اتخن تخين فيهم بيقولوا عليه راجل وطني وشخصية اقتصادية مهمة، والغلبان بتاع القومسيون الديكتاتور الفاسد خلاه شنق نفسه، بلد ماشية بالمقلوب". @Emanamm35322473.
وأضاف حساب على إكس ".. يا سيسي .. يامدبولي .. ياخلق، ياهو.. العيال ماتت في المصنع بسبب إهمالكم، فالتراخيص ومعايير السلامة، وماتت في الأتوبيس بسبب فسادكم، في شبكة الطرق، والراجل شنق نفسه عشان فقرتونا وخربتوا القطاع الصحي.. لعنة الله عليكم".
وبحسب ما تم تداوله، فإن الرجل كان يواجه صعوبات شديدة في الحصول على معاشه، وسط إجراءات بيروقراطية معقدة، وضغوط مالية لا يستطيع تحملها، هذه الحادثة، مثل صدمة الأم التي كانت تعيش ضغوطًا اقتصادية ونفسية خانقة، وأنها شعرت بأنها فقدت القدرة على حماية أسرتها أو توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لهم، خبراء علم النفس الذين تناولوا القضية أشاروا إلى أن هذا النوع من السلوك لا يظهر فجأة، بل يأتي نتيجة تراكم طويل من الإحباط، العجز، فقدان الأمل، وانهيار شبكات الدعم الاجتماعي.
وتعكس حالة من الانهيار النفسي الناتج عن الضغوط الاقتصادية، حيث يشعر الفرد بأنه محاصر بلا مخرج، وأن الدولة أو المؤسسات التي يفترض أن تساعده أصبحت عبئًا إضافيًا عليه.
المواطن بلا سند
وحسب روايات متداولة، كان المسن يحاول إنهاء إجراءات طبية أو إدارية تتعلق بمعاشه أو حقوقه، لكنه واجه صعوبات متكررة، ما أدى إلى حالة من الإحباط الشديد، فأضحت هذه الصورة ليست جديدة على المصريين، إذ أصبحت الإجراءات الحكومية في بعض القطاعات عبئًا نفسيًا واقتصاديًا على الفئات الأكثر هشاشة، خصوصًا كبار السن والمرضى وأصحاب الدخل المحدود.
خبراء علم الاجتماع يشيرون إلى أن البيروقراطية حين تتحول من وسيلة لتنظيم الخدمات إلى حاجز يمنع المواطن من الوصول إلى حقه، فإنها تخلق بيئة من العجز المكتسب، حيث يشعر الفرد بأنه محاصر بلا مخرج.
أما خبراء علم النفس فيرون أن الحادثتين تنتميان إلى نمط واحد: الانهيار تحت ضغط اقتصادي واجتماعي شديد. مشيرين إلى أنه عندما يشعر الفرد بأنه عاجز عن تلبية احتياجات أسرته، أو أنه يفقد كرامته في طوابير المعاش، أو أنه غير قادر على مواجهة متطلبات الحياة اليومية، يبدأ العقل في الدخول في حالة “الانسداد النفسي”، حيث تتراجع القدرة على اتخاذ قرارات عقلانية، ويزداد الشعور باليأس.
انهيار اقتصادي
ولا تظهر هذه الحالات في المجتمعات المستقرة اقتصاديًا بنفس الحدة، لكنها تتفاقم في البيئات التي ترتفع فيها معدلات التضخم، وتضعف فيها شبكات الحماية الاجتماعية، ويشعر فيها المواطن بأن الدولة بعيدة عنه أو غير قادرة على دعمه.
ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن مصر تمر بمرحلة صعبة تتسم بـارتفاع غير مسبوق في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية وتعقيد الإجراءات الحكومية وتآكل الطبقة الوسطى وارتفاع معدلات الديون.
هذه الظروف تجعل الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع عرضة للانهيار النفسي، خصوصًا كبار السن، والأمهات المعيلات، والموظفين الذين يعتمدون على معاشات أو دخول ثابتة لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.
من مصر إلى تونس
يربط بعض الخبراء بين هذه الحوادث وبين واقعة محمد البوعزيزي في تونس عام 2010، الذي أقدم على فعل مأساوي بعد مصادرة مصدر رزقه وإهانته من قبل السلطات.
وكتب الحقوقي هيثم أبو خليل "بوعزيزي دمياط2026 ، ماهر البيومي لم يمت بالمرض، بل خنقته أوراق القومسيون، وبرودة قلوب الموظفين، سائق ستيني بجسد منهك بالمسامير اختار سور القومسيون مشنقة لكرامته المهدرة، رسالة انتحار عبقرية، خذوا المعاش واتركوا لي حبل الخلاص من ظلم البيروقراطية، حين يشنق المصري نفسه على أسوار من ظلموه".
ويبدو أن البوعزيزي لم يكن يعاني من مرض نفسي، بل من إحساس عميق بالظلم والعجز، وهو نفس الشعور الذي يظهر في الحوادث المصرية الأخيرة.
الخبراء يحذرون من أن تكرار هذه الحوادث يشير إلى تآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات، وإلى أن الضغوط الاقتصادية بدأت تتحول إلى ضغوط نفسية خطيرة.