المسجد والآذان في الخلفية والغش في المقدمة.. “برشامة” كوميديا تتجاهل أن الدين ليس المتهم بل الغائب

- ‎فيتقارير

يظهر الدين في "برشامة" (فيلم العيد الذي حصد في مصر بحسب صانعو نحو 100 مليون جنيه) ليس كقيمة أخلاقية أو منظومة سلوكية، بل كـ خلفية شكلية تملأ المشاهد وتُستخدم لخلق مفارقة بين ما يُقال وما يُمارس، السيناريو يتعمد إبراز هذا التناقض، فيضع الشخصيات داخل بيئة تبدو متدينة، (مسجد وآذان وحجاب ولحية) بينما سلوكها يناقض تمامًا ما يفترض أن تؤمن به وهو توظيف اعتبره البعض ليس هجومًا على الدين، بل على الاستخدام الاجتماعي السطحي للدين.

وبالنسبة للجانب الاجتماعي، فقد أثار جدلا على مواقع التواصل لمن كان يظن أن يشاهد فيلما كوميديا فاصطدم بفليم (رمزي) نسبة إلى الرمزية التي تسخر بشكل متكرر من الدين وتحشره في كل شيء في سرديات أشبه ب"الفنتازيا" البعيدة عن الواقع وليس من المروة تصديقها.

فبحسب البشمحاسب  @Abdallaunknown  "فيلم برشامة بيعتمد على مادة أساسية وهو الاستهانة والاستهزاء بالدين الإسلامي وبالأئمة الأربعة، ناس تعبوا في الدين وأئمه تعبوا عشان خاطر عموم المسلمين، وفي الآخر إحنا بندي فرصة لشوية أراجوزات يتريقوا عليهم وعلى علمهم وعلى القرآن والسن’ ".

وأضاف @Abdallaunknown "هو حاجة unusual opinion  هو إزاي فيلم #برشامة عدى على الرقابة ؟ وإزاي عدى على الأزهر الشريف، هو الفيلم بيعتمد على السفّ على الدين بس وتكسير لثوابت الدين، مهما كنا بنعمل غلط فالدين والقرآن والسنة لهم قدسية مينفعش يبقوا اداة للاستهانة بيهم ".

وكتبت ياسمين @BtrCallYasmika ".. حوار إن محمود مهدي يقول إن فيلم برشامة كان فيه هزار على الدين لدرجة مش مريحة، دا مخليني قادرة أتخيل الموضوع وأصل لإيه، أنا عمري ما سمعته بيقول كدا على أي فيلم أو مسلسل".

بالمقابل رأى @ramy1313 أن تناول الفيلم للدين "عادي" فقال: "اللي قال لكم إن فيلم برشامة في إفيهيات دينية مخلياه مش مرتاح، وهو بيتفرج بيشتغلكم عشان يعلي الريتش".

وكتب كريم صلاح الدين @Karimsalaeldin، "فيلم برشامة مش مفهوم بالنسبة لي الهجوم عليه بحجة الإساءة للدين بأي شكل، الراجل من أول لآخر مشهد بيصدر هشام ماجد اللي بيمثل التوجه الديني سواء – اختلفت أو اتفقت معه – بإنه الحاجة الوحيدة اللي عاملة اتزان لمجتمع مختل وفوضوي، و رغم سطحيته أو تشدده لكنه رحيم و عنده بوصلة أخلاقية".

ومن جانب "الواقع"  كتبت إيمان النحاس @imanahas ".. فيلم برشامة يتحدث عن واقع .. الغش الجماعي في الأقاليم .. التدين الظاهري الذي لا يتورع عن استخدام ميكرفون الجامع في الغش .. المحجبة التي تخفي المَلازم تحت ملابسها، في مواجهه التدين الحقيقي الذي يعرف الحلال والحرام والذي يؤمن بالرحمة ولا يتنازل عن مبادئه، فيلم يستحق المشاهدة ورائع".

ملامح دينية بإطار السخرية

من أبرز ملامح السخرية في الفيلم أن مشاهد الغش تأتي غالبًا بعد أو قبل مشاهد يظهر فيها الطلاب وهم يمرون بجوار المسجد، أو يسمعون الأذان، أو يتحدثون عن الصلاة، السيناريو يضع هذه العناصر عمدًا ليقول إن الدين حاضر في المكان لكنه غائب عن الفعل.

 

المشهد لا يهاجم المسجد، بل يهاجم الانفصال بين الشعائر والسلوك، كأن الفيلم يقول: “الصوت صوت أذان… لكن الفعل فعل برشامة.”

ويظهر الحجاب في الفيلم بوصفه جزءًا من البيئة الاجتماعية، وليس كقيمة دينية. بعض الشخصيات المحجبة تشارك في الغش أو تساعد عليه، ما يخلق مفارقة ساخرة بين المظهر المحافظ والسلوك غير الأخلاقي. السيناريو لا يهاجم الحجاب، بل يهاجم تحويله إلى زي اجتماعي بلا مضمون.

ويرى البعض أن السخرية هنا ليست من الحجاب ذاته، بل من الازدواجية: مظهر يوحي بالالتزام، وسلوك يناقضه تمامًا.

ومن أكثر اللحظات الساخرة في الفيلم تلك التي يردد فيها أحد الطلاب أو المدرسين جملة مثل: “الغش حرام”، ثم يتبعها مباشرة سلوك يناقض هذا القول، سواء عبر تمرير ورقة، أو تغطية على طالب، أو تبرير الغش بأنه “ظروف”. وأن من يفعله "مضطر" ويوصف من كتاب الفيلم بأنه "استجدع" من غشنا!

 

السيناريو يستخدم هذا الأسلوب ليكشف أن تحريم الغش أصبح جملة محفوظة، تُقال كجزء من اللغة اليومية، لا كقيمة تُمارس. السخرية هنا ليست من التحريم، بل من تحويل الأخلاق إلى شعارات.

مفارقة مقصودة

ويعتمد الفيلم فيما يبدو على مفارقة واضحة تقول إنه كلما زاد حضور الرموز الدينية في المشهد، زاد حضور الغش في السلوك وهو حضور ليس من قبيل الصدفة بل محاولة توظيف أداة فنية (سواء رغب الفنانون أم لم يرغبوا بذلك).

والغش في المجتمع المصري لا يرفع شعارات دينية بل بات ظاهرة عامة برعاية النظام المسؤول الأول والأخير عن انتشاره من خلال تسريب الامتحانات اليوم عبر منصات التسريب (شاومنج) أو التساهل في رصد أدوات الغش والتي ليس من بينها ميكروفون المسجد والتي لم تسجل في واقعنا على الأقل.

المثير للدهشة أن الفيلم لم يناقش قضية الثانوية العامة العادية بل اقتصر في إسقاطه على فئة معينة من الممتحنين أو ما يطلق عليه في مصر طلاب "المنازل" أو "الدمج"، وهم في العادة تكون اللجان معهم أكثر رحابة في الغش من غيرهم الطلاب المنتظمين.

 

واقترح مراقبون أن يطلق على الفيلم (سماعة) بدلا من (برشامة) لاسيما مع تطور صور الغش (لاسيما وأن مخرج العمل خريج الجامعة الامريكية بالقاهرة) لأن الغش لم يعد ورقة صغيرة، بل أصبح تكنولوجيا كاملة، وهنا تتضاعف السخرية من تغييب المسؤول الأول الذي لم يتجاهله هنيدي في فيلم (رمضان أبو العلمين حمودة) مدرس اللغة العربية الذي عمل أستاذا في مدرسة أبناء الوزراء (واسقاطاته على مختلف الحقائب الوزارية بما في ذلك وزير التعليم) وهو ما تطور اليوم إلى اللجان الخاصة التي باتت محافظات بعينها شاهد مكرر فيها.

ويبدو تطور الغش يكشف أن المشكلة ليست في الدين، بل في غياب الدين (أداة تفعيل الضمير-من لا دين له لا أمانة له)، وفي منظومة تعليمية واجتماعية تسمح بالغش وتبرره.

و"برشامة"، بطولة الفنان المهندس هشام ماجد وريهام عبد الغفور، ومصطفى غريب، وحاتم صلاح، وعلى وقعه أعلن ما يسمى "مهرجان هوليوود للفيلم العربي"، عن تكريم عبدالحميد شخصية بظل الفيلم  بجائزة التميز الفني، في حفل ختام دورته الخامسة، وذلك في 20 أبريل، بمسرح كولفر في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا.

أما مخرج الفيلم خالد دياب تخرج من كلية الفنون الجميلة قسم العمارة، ثم اتجه إلى دراسة الجرافيك، وهو مؤلف أيضا ومن أعماله "الجزيرة 2"، "بلبل حيران"، و"اشتباك".