شهدت سوق الأعلاف في مصر خلال الساعات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، جاء بعد أقل من يوم واحد على تصريحات عبدالفتاح السيسي بشأن ملف الأسمدة وضرورة إعادة النظر في تكلفتها ودعمها.
وأخطرت مصانع الأعلاف التجار بزيادة 500 جنيه في سعر الطن لتسليمات الأسبوع الحالي، مدفوعة بارتفاع الدولار وأسعار الذرة وفول الصويا، ليتراوح السعر بين 22800 و24600 جنيه حسب الجودة ونسبة البروتين.
وأثار هذا التزامن حالة من الجدل بين المربين والخبراء، خصوصاً أن الأعلاف تعتمد بشكل مباشر على مدخلات إنتاج زراعية ترتبط بالأسمدة والذرة وفول الصويا، ما جعل الزيادة تبدو كأنها استجابة فورية من السوق لأي إشارة رسمية تتعلق بتكلفة الإنتاج.
وأكدت شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية، أن أسعار الأعلاف شهدت زيادات ملحوظة خلال الأيام الأخيرة، تراوحت بين 2000 إلى 2500 جنيه للطن من قبل بعض الشركات بسبب ارتفاع أسعار الوقود.
وقال الخبير في الثروة الزراعية محمد الشريف عبر @MhdElsherif إن":.. كل خامات الأعلاف النهاردة زادت:..الذرة زادت 600 جنيه للطن.. جلوتين ذرة زادت 2000 جنيه للطن، وكسب الصويا زاد 2000 جنيه للطن ولزيت الخام زاد 3000 للطن.. بينما الفراخ والبيض رخصوا.. طبعا هنشوف زيادات قريبا للأسف".
وقال أحمد @Ahmed624780 "صعب يكون فيه زيادات فى اسعار الدواجن والبيض لانعدام الطلب لانعدام القوه الشرائية للمواطن معدوم الدخل مما ينذر بأزمه جديده فى قطاع الدواجن ومصر أيه غير ماضى بيتكرر وشعب بيأخد على قفاه".
وجزم د. الشريف @MhdElsherif بأن "الأسعار هتزيد لخروج منتجين من الإنتاج بعد الخسائر. مزارع فراخ اللحم تدخل وتخرج من الإنتاج بسهولة لقصر دورة الإنتاج (35 يوم)".
ويؤكد العاملون في السوق أن أسعار الأعلاف ارتفعت بنسب تراوحت بين عشرة وعشرين في المئة، مع قفزات واضحة في أسعار الذرة الصفراء وفول الصويا، وهما المكوّنان الأساسيان في صناعة العلف. ويشير مربون إلى أن هذه الزيادة جاءت في وقت يعاني فيه القطاع من ضغوط متراكمة، وأن أي تحريك في أسعار المدخلات ينعكس فوراً على التكلفة النهائية، ما يهدد بخروج عدد كبير من صغار المربين من السوق.
وفي قراءة متخصصة للمشهد، يقول الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والزراعة بجامعة القاهرة، إن ارتفاع أسعار الأعلاف ليس مفاجئاً، لأن مصر تعتمد بنسبة تتجاوز 80% على استيراد الذرة وفول الصويا من الخارج، ما يجعل السوق رهينة لسعر الدولار.
ويضيف أن أي اضطراب في سوق الصرف أو أي إشارة لزيادة تكلفة الإنتاج الزراعي تدفع التجار إلى رفع الأسعار فوراً، سواء بقرار رسمي أو بمجرد توقعات. ويرى نور الدين أن الحل الحقيقي يكمن في التوسع في زراعة الذرة وفول الصويا محلياً، وتقليل الاعتماد على الاستيراد الذي يضع السوق تحت ضغط دائم.
من جانبه، يشير الدكتور عبد الرحمن ذكري، الخبير في الاقتصاد الزراعي، إلى أن تصريحات الرئيس بشأن الأسمدة ربما فُسّرت من قبل السوق على أنها مقدمة لرفع أسعار مدخلات الإنتاج، ما دفع التجار إلى رفع الأسعار تحسباً لأي زيادات مقبلة. ويؤكد ذكري أن السوق المصرية تعاني من غياب آليات واضحة لضبط الأسعار، وأن التفاعل السريع مع التصريحات يعكس حالة من عدم اليقين لدى التجار والمربين على حد سواء. ويضيف أن ارتفاع أسعار الأعلاف سيؤدي حتماً إلى زيادة أسعار اللحوم والدواجن والبيض خلال الأسابيع المقبلة، ما يضيف عبئاً جديداً على المواطنين.
أما الدكتور طارق سليمان، رئيس قطاع الثروة الحيوانية بوزارة الزراعة سابقاً، فيرى أن الأزمة ليست مجرد ارتفاع في الأسعار، بل هي نتيجة تراكمات طويلة في إدارة ملف الأعلاف. ويشير إلى أن القطاع يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة، تشمل توفير العملة الصعبة لمستوردي الأعلاف، وتشجيع الاستثمار في مصانع إنتاج بدائل الأعلاف، وتطوير منظومة الزراعة التعاقدية لضمان توفير الذرة وفول الصويا بأسعار مستقرة. ويؤكد سليمان أن استمرار الاعتماد على الاستيراد يجعل السوق عرضة للتقلبات العالمية، وأن أي أزمة دولارية تنعكس فوراً على أسعار الأعلاف.
وفي السياق نفسه، أصدر اتحاد منتجي الدواجن بياناً غير رسمي عبر مجموعات التواصل الخاصة بالمربين، أكد فيه أن الزيادة الأخيرة ستؤثر بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج، وأن القطاع يواجه “مرحلة حرجة” قد تؤدي إلى خروج آلاف المربين من السوق إذا لم تتدخل الدولة لضبط الأسعار. كما حذرت شعبة مستوردي الأعلاف من أن نقص الدولار في البنوك يدفع المستوردين إلى اللجوء للسوق الموازية، ما يرفع التكلفة النهائية للعلف ويزيد الضغط على المربين.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية قد تكون مقدمة لموجة جديدة من التضخم في قطاع الغذاء، خصوصاً أن الأعلاف تمثل أكثر من سبعين في المئة من تكلفة إنتاج الدواجن والماشية. ويشيرون إلى أن غياب استراتيجية واضحة لتقليل الاعتماد على الاستيراد يجعل السوق في حالة هشاشة دائمة، وأن أي تحرك في سعر الصرف أو تكلفة الإنتاج الزراعي ينعكس فوراً على الأسعار.
وفي ظل هذه التطورات، يطالب الخبراء بضرورة تدخل حكومي عاجل لضبط السوق، سواء عبر توفير العملة الصعبة لمستوردي الأعلاف، أو عبر دعم مدخلات الإنتاج الزراعي، أو من خلال وضع آليات تمنع الممارسات الاحتكارية التي تتكرر في كل أزمة. ويؤكدون أن الحل الحقيقي يكمن في بناء منظومة إنتاج محلية قوية، وليس في الاعتماد على الاستيراد الذي يجعل السوق عرضة للأزمات المتكررة.