تقرير تحليلي يرصد 13 عامًا من السياسات التي أضعفت مناعة الاقتصاد المصري، قرارات فوقية وهيمنة عسكرية جعلت البلاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية على مدار 13 عامًا، لم يكن ما جرى في الاقتصاد المصري منذ ،انقلاب السيسي وزير الدفاع الأسبق على رئيسه المنتخب الدكتور محمد مرسى، مجرد أخطاء عابرة أو سوء تقدير مرحلي، بل مسار متكامل أعاد تشكيل بنية الاقتصاد ليصبح أكثر هشاشة، وأقل قدرة على الصمود أمام أي أزمة even لو كانت بعيدة جغرافيًا عن مصر.
السياسات التي أدار بها عبد الفتاح السيسي الملف الاقتصادي، قامت على ركيزتين أساسيتين : التوسع في الاقتراض الخارجي والداخلي، وتمكين شركات الجيش من السيطرة على مفاصل الاقتصاد هذا النموذج، الذي قُدّم باعتباره "إصلاحًا"، حوّل الاقتصاد إلى كيان ريعي هش، يعتمد على التدفقات الخارجية والأموال الساخنة، بدلًا من الإنتاج الحقيقي .
الحرب على إيران تكشف العورات المخفية
مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، لم تكن مصر طرفًا في الصراع، لكنها تصرفت اقتصاديًا وكأنها في قلبه.
السبب ليس الحرب نفسها، بل هشاشة الداخل، ففي غضون أيام خرجت نحو 6.7 مليارات دولار من الأموال الساخنة و تراجع الجنيه ليتجاوز 52 جنيهًا مقابل الدولار و ارتفعت تكلفة الاقتراض بشكل حاد، هذه المؤشرات لا تعكس تأثير الحرب بقدر ما تكشف أن الاقتصاد المصري أصبح رهينة لعوامل خارجية، يتحرك معها صعودًا وهبوطًا بلا أي قدرة على التماسك.
اقتصاد مُدار لصالح السلطة لا لصالح الدولة
المشكلة الأعمق لا تكمن في الأزمات، بل في طبيعة الاقتصاد نفسه ، فبدلًا من بناء اقتصاد إنتاجي متنوع، تم توجيه الموارد نحو: مشروعات ضخمة ذات عائد محدود و توسع عمراني غير منتج، وتمكين مؤسسات غير خاضعة للمنافسة (شركات الجيش) هذا التحول جعل الاقتصاد يعمل كـ"أداة سياسية" لضمان الاستقرار السلطوي، لا كمنظومة تنموية تخدم المجتمع.
النتيجة: إقصاء القطاع الخاص الحقيقي و تراجع الاستثمار الإنتاجي و وانعدام التنافسية.
صدمة الطاقة.. المواطن يدفع الثمن
مع تصاعد الحرب، ظهرت أزمة الطاقة كواحدة من أخطر نقاط الضعف: توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي و اضطراب الشحنات من الخليج و قفزة أسعار النفط عالميًا بدلًا من امتصاص الصدمة، نقلت الحكومة التكلفة مباشرة إلى المواطن: زيادة أسعار الوقود بنسبة وصلت إلى 30% إجراءات تقشفية، مثل تقليل الكهرباء، وإغلاق المحال مبكرًا، هذه السياسات تكشف أن الدولة لم تبنِ أي شبكة أمان حقيقية، بل تعتمد على تحميل المواطن كلفة كل أزمة.
قناة السويس والسياحة.. مصادر تتآكل
الاقتصاد المصري يعتمد على مصادر عملة صعبة شديدة الحساسية، السياحة، قناة السويس، الاستثمارات الأجنبية، ومع كل أزمة إقليمية، تتعرض هذه المصادر لضربات متتالية.
الحرب الحالية أضافت ضغوطًا جديدة
تراجع حركة الملاحة بسبب التوترات و مخاوف المستثمرين و تباطؤ السياحة، ما يحدث ليس "ظرفًا طارئًا"، بل نتيجة طبيعية لاقتصاد غير متنوع يعتمد على مصادر سريعة التأثر.
تكرار سيناريو 2022.. ولكن دون شبكة إنقاذ
المشهد الحالي يعيد إلى الأذهان أزمة مارس 2022 بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حين اقتربت مصر من التعثر المالي، قبل أن تتدخل دول الخليج بضخ نحو 12 مليار دولار، إلى جانب بيع أصول استراتيجية مثل رأس الحكمة، لكن الفارق الآن: الأزمات تتكرر بوتيرة أسرع، والقدرة على الإنقاذ لم تعد مضمونة، ما يعني أن الاقتصاد يقترب أكثر من نقطة الانكشاف الكامل.
أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة أرقام
السلطة تروّج لرواية "الصدمات الخارجية"، لكن الواقع يشير إلى أزمة أعمق: غياب الشفافية، تضارب السياسات، فقدان الثقة في بيئة الاستثمار حتى تقارير المؤسسات الدولية التي تُستخدم لتجميل الصورة، لا تخفي حقيقة أن الاقتصاد يعاني من اختلالات هيكلية عميقة.
الخلاصة: اقتصاد مُسخّر للبقاء السياسي
ما تكشفه الأزمة الحالية بوضوح هو أن الاقتصاد المصري لم يُبنَ ليكون قويًا، بل ليكون قابلًا للإدارة السياسية، حتى لو كان ذلك على حساب استقراره، تحويل الاقتصاد إلى أداة بقاء في السلطة أدى إلى، تآكل قدرته على الصمود، تضخم الديون، وانهيار القوة الشرائية للمواطن وفي ظل هذا النموذج، تصبح أي أزمة خارجية قادرة على إحداث "زلزال اقتصادي" داخل مصر.
السؤال لم يعد: كيف تأثرت مصر بالحرب؟ بل: لماذا أصبح اقتصادها عاجزًا عن تحمّل أي صدمة؟