لم تكن الحرب الدائرة في المنطقة سوى الشرارة التي كشفت عمق أزمة سوق العقارات في مصر، لكنها لم تكن السبب الحقيقي لها.
فبعد أكثر من 13 عاماً من هيمنة المؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد، خاصة قطاع الأراضي ومواد البناء، يجد السوق نفسه اليوم أمام اختبار قاسٍ يهدد بدخوله مرحلة "ركود تضخمي" غير مسبوقة.
إرث ثقيل من السياسات يسبق الحرب
على مدار سنوات، توسعت الجهات السيادية في احتكار أراضي الدولة وطرحها بأسعار مرتفعة، بالتوازي مع صعود شركات تابعة للجيش في سوقي الأسمنت والحديد، ما ساهم في رفع تكلفة البناء بشكل مستمر.
وجاءت تصفية أجزاء واسعة من القطاع العام وفتح الباب أمام استثمارات خليجية تركز على الربحية السريعة، دون اعتبار للبعد الاجتماعي، لتزيد من حدة الأزمة وتُخرج العقار تدريجياً من متناول الطبقة المتوسطة.
صدمة الحرب تكشف المستور
مع اندلاع الحرب، تلقى القطاع العقاري ضربة جديدة، حيث ارتفعت أسعار مواد البناء بأكثر من 20%، بالتزامن مع تراجع الجنيه بنحو 10%، وهو ما ضاعف من الضغوط على شركات التطوير والمقاولات.
ويعترف محمد سامي سعد، رئيس اتحاد مقاولي البناء، بأن الشركات تتجه إلى رفع الأسعار كإجراء "تحوطي" لمواجهة القفزات في تكاليف الشحن والطاقة والمواد الخام، مشيراً إلى أن بعض مدخلات البناء شهدت زيادات تتراوح بين 5% و10%، بينما قفزت تكاليف الشحن بنحو 50%، في ظل اعتماد القطاع على الاستيراد بنسبة تصل إلى 40%.
اضطراب التسعير وتعليق السوق
تزايدت مؤشرات الارتباك داخل السوق، مع لجوء بعض الموردين إلى تعليق التسعير مؤقتاً، خاصة في الألومنيوم، نتيجة التقلبات الحادة. كما فرضت شركات الأسمنت زيادات وصلت إلى 14%، وارتفعت أسعار الحديد بنحو 2500 جنيه للطن، وسط توقعات بموجات صعود جديدة مدفوعة بارتفاع الدولار وتكاليف النقل والطاقة.
هذا الاضطراب دفع شركات المقاولات إلى مطالبة الحكومة بتعويض فروق الأسعار في المشروعات القائمة، باعتبار الحرب "قوة قاهرة"، ما يعكس حجم الضغوط التي تضرب القطاع من الداخل.
بين زيادات الأسعار وضعف الطلب
ورغم اتجاه بعض المطورين لرفع الأسعار بنسبة قد تصل إلى 20%، فإن هذا التوجه يصطدم بحقيقة أكثر قسوة، وهي تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
فالسوق يعاني بالفعل من ركود ممتد منذ عامين، ما يحد من قدرة الشركات على تمرير كامل الزيادات إلى المشترين.
ويحذر خبراء من أن الشركات قد تضطر إلى امتصاص جزء من التكاليف، أو مواجهة تباطؤ حاد في المبيعات، خاصة أن شريحة واسعة من المشترين خرجت بالفعل من السوق نتيجة تضخم الأسعار.
استثمارات تبحث عن الربح لا السكن
تكشف الأزمة الحالية عن خلل هيكلي في توجهات الاستثمار العقاري، حيث تركز غالبية المشروعات على الفئات الأعلى دخلاً أو على المضاربة، بدلاً من تلبية الطلب الحقيقي على السكن.
ومع دخول رؤوس أموال خليجية تسعى لتحقيق عوائد سريعة، تراجعت الأولوية للمشروعات السكنية المتوسطة، ما عمّق الفجوة بين العرض والطلب.
هل يعود العقار كملاذ آمن؟
رغم قتامة المشهد، لا يزال بعض المطورين يراهنون على بقاء العقار كملاذ آمن لحفظ القيمة، خاصة مع تراجع الجنيه وتقلب أسعار الذهب.
لكن هذا الرهان يبقى مشروطاً بانتهاء الحرب واستقرار الأوضاع الاقتصادية، وهو أمر غير مضمون في المدى القريب.
تكشف دلالات تأثر سوق العقارات بالحرب أن الأزمة أعمق من مجرد تداعيات صراع إقليمي، إذ تعكس خللاً ممتداً في بنية السوق وسياسات التسعير وإدارة الأصول العامة.
ومع استمرار ارتفاع التكاليف وتآكل القدرة الشرائية، يقترب القطاع من نقطة حرجة، قد يتحول فيها العقار من أداة ادخار إلى عبء اقتصادي يثقل كاهل السوق والمستهلكين على حد سواء.