أثار نفي وزارة التربية والتعليم بحكومة المنقلب السيسي علمها ببطاقة متداولة عل مواقع التواصل الاجتماعي في المدارس الثانوي العام، قالت إنها غير رسمية (رغم أن الادارات التعليمية سمحت بطباعتها لمدارس الثانوي في الأساس)، وفكرتها حول تحديد مسار البكالوريا من عدمه، وتسبب ذلك بحالة من الارتباك بين الطلاب وأولياء الأمور.
الوزارة وهي تنفي صحة الورقة أو البطاقة، قالت إن ما يتم تداوله لا يمت للنظام الجديد بصلة.
ورغم هذا النفي، فإن حالة القلق لم تهدأ، خاصة مع غياب المعلومات الدقيقة حول المناهج وآليات التقييم، وهو ما جعل كثيرين يرون أن البكالوريا تدخل عامها الأول وسط ضبابية غير مسبوقة بغموض المناهج، وضعف التأهيل، وضغوط على الطلاب.
ويواجه الطلاب في الصف الأول الثانوي هذا العام تحديًا كبيرًا يتمثل في اختيار مسار دراسي من بين أربعة مسارات: الطب وعلوم الحياة، الهندسة وعلوم الحاسب، إدارة الأعمال، والآداب والفنون. ورغم أن هذا الاختيار سيحدد مستقبل الطالب الجامعي، فإن المناهج التي يفترض أن تُدرّس في كل مسار لا تزال غير معلنة بشكل كامل. ويؤكد أولياء الأمور أن الشروحات العامة التي قدمتها الوزارة لا تكفي لاتخاذ قرار مصيري، وأن غياب المحتوى الفعلي يجعل عملية الاختيار أقرب إلى المغامرة.
تحذيرات تربوية: 11 فخًا يهدد طلاب البكالوريا
في هذا السياق، وجّه الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، في تصريحات صحفية في 23 مارس الحالي سلسلة من التحذيرات للطلاب وأولياء الأمور، مؤكدًا أن العشوائية في اختيار المسار قد تكلف الطالب مستقبله الأكاديمي والمهني. ويرى شوقي أن النظام الجديد يحمل فرصًا جيدة، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام أخطاء قاتلة إذا لم يُحسن الطالب الاختيار.
ويشدد شوقي على أن أكبر خطأ يقع فيه الطلاب هو الانصياع لرغبات الوالدين دون النظر إلى قدراتهم الحقيقية. فإجبار طالب ذي ميول أدبية على دخول مسار الطب مثلًا هو وصفة مؤكدة للتعثر. كما يحذر من الانسياق وراء “أحلام المسمى الوظيفي” دون النظر إلى الكفاءة الفعلية.
ويرى شوقي أن كثيرًا من الطلاب يهربون من المسارات العلمية بسبب شائعات حول صعوبتها، رغم تفوقهم فيها، فيتجهون إلى مسارات يعتقدون أنها أسهل، وهو ما يحرمهم من فرص التميز.
ويشير إلى أن بعض الطلاب يختارون المسار الذي يتجه إليه أصدقاؤهم، لا المسار الذي يناسبهم. كما ينتقد تأجيل القرار للحظات الأخيرة، معتبرًا أن غياب التخطيط من أكبر الأخطاء التي تقع فيها الأسر.
ويؤكد شوقي أن الاختيار يجب أن يستند إلى درجات الطالب في المواد المرتبطة بالمسار، مثل الرياضيات للهندسة والعلوم للطب، محذرًا من اختيار مسار دون معرفة الكليات التي يؤهل إليها، حتى لا يصدم الطالب لاحقًا.
اعتراضات من داخل المنظومة
ولم تتوقف الانتقادات عند البكالوريا العامة، بل امتدت إلى البكالوريا التكنولوجية. فقد وجّه الدكتور أحمد الجيوشي، أمين مجلس التعليم التكنولوجي والجامعات التكنولوجية، رسالة إلى وزير التعليم، أكد فيها تفهمه لفلسفة البكالوريا العامة، لكنه أبدى تحفظًا شديدًا على تطبيق النظام نفسه على طلاب التعليم الفني.
ويرى الجيوشي أن التعليم الفني “مرحلة منتهية” بطبيعته، ويجب أن يؤهل خريجيه مباشرة لسوق العمل، بينما البكالوريا العامة تهدف إلى تأهيل الطلاب للجامعة. وبالتالي، فإن تطبيق نظام واحد على مسارين مختلفين في الهدف والمخرجات هو خطأ جوهري.
ويقترح الجيوشي تطبيق نظام تقييم مزدوج لطلاب الدبلومات الفنية يشتمل على تقييم تكويني لقياس المهارات العملية المطلوبة لسوق العمل، وتقييم تحصيلي (مثل البكالوريا التكنولوجية) لقياس استعداد الطلاب الراغبين في استكمال دراستهم الجامعية. ويرى أن الاكتفاء بالبكالوريا التكنولوجية كمسار واحد “يحتاج إلى إعادة نظر”.
شكاوى: إجبار على التحويل
وفي محافظات مصر اشتكى عدد من أولياء الأمور من ضغوط تُمارس على الطلاب لإجبارهم على التحويل من الثانوية العامة إلى البكالوريا. وأكد بعضهم أن إدارات المدارس أبلغت الطلاب بأن المدرسة ستعمل بالكامل بنظام البكالوريا، وأن من يرفض عليه التحويل إلى مدرسة أخرى. لكن هاني عنتر، وكيل وزارة التعليم بالمنوفية، نفى وجود أي إجبار، مؤكدًا أن ما يجري هو مجرد شرح للنظام الجديد.
عيوب بنيوية تهدد مستقبل النظام
تجمع آراء الخبراء وأولياء الأمور على أن البكالوريا المصرية تواجه عيوبًا بنيوية في عامها الأول، ولعل أبرز عيوبها في عامها المرتقب الأول، وفق خبراء التعليم، مسار إدارة الأعمال. فهذا المسار يتطلب مناهج جديدة بالكامل لم يسبق تدريسها، كما يحتاج إلى كوادر تعليمية مؤهلة، وهو ما لم يتحقق حتى الآن. ويشير خبراء إلى أن الوزارة لم تطلق برامج تدريبية كافية لإعداد المعلمين، وأن الوقت المتبقي قبل بدء الدراسة لا يسمح بتأهيل حقيقي يتناسب مع فلسفة المواد الجديدة.
واشاروا إلى أن تعدد المسارات في عام واحد يضع عبئًا ثقيلًا على الوزارة، خاصة مع إجراءات التأليف والتحكيم التي تخضع لها دور النشر. ويرى تربويون أن الوزارة قد تضطر إلى تعديل مناهج قائمة أو إعادة تدوير محتوى قديم لتسريع الإنجاز، وهو ما قد ينعكس سلبًا على جودة التعليم.
وهذه العيوب المنهجية تتعلق بـ(غياب المناهج) حيث لا تزال المناهج غير مكتملة، ما يجعل اختيار المسار أقرب إلى التخمين.
وتتعلق أيضا بـ(ضعف تأهيل المعلمين) حيث لم تُطلق برامج تدريب كافية، خاصة لمسار إدارة الأعمال.
إضافة إلى (ضيق الوقت) حيث تعمل الوزارة تحت ضغط زمني شديد، ما يهدد جودة التنفيذ.
كما أن (غياب الشفافية) بتداول بطاقات غير رسمية، وشكاوى من إجبار الطلاب، كلها مؤشرات على ضعف التواصل.
وحذر مراقبون من ان (اختلاط الفلسفات) تطبيق نظام واحد على التعليم العام والفني يخلق ارتباكًا في الأهداف والمخرجات.
ويدخل نظام البكالوريا الجديد عامه الأول وسط غموض كبير. وبينما تؤكد الوزارة أن النظام سيحقق نقلة نوعية، يرى الخبراء أن النجاح لن يتحقق إلا بعد معالجة العيوب الجوهرية بوضوح المناهج، وتدريب المعلمين، وتحديد فلسفة كل مسار، وتوفير وقت كافٍ للتطبيق وإلا سيظل الطلاب وأولياء الأمور في حالة قلق، بانتظار أن يلغي القرار وعدم العبث بمصائر الطلاب.