من 75 إلى 135 جنيهًا للتر .. الزيادة الأكبر في تاريخ سوق الزيت

- ‎فيتقارير

 

تشير البيانات إلى أن سعر لتر زيت الذرة ارتفع من 75 جنيهًا في بداية 2025 إلى 135 جنيهًا في مارس 2026، أي بزيادة قدرها 80% خلال عام واحد فقط. أما زيت عباد الشمس، فقد ارتفع من 50–60 جنيهًا إلى 88–107 جنيهات، بنسبة زيادة تتراوح بين 45% و70%.

وفق أحدث تقرير صادر عن البوابة الحكومية لأسعار السلع المحلية والعالمية، بلغ متوسط سعر لتر زيت عباد الشمس 88 جنيهًا، بينما تراوحت الأسعار بين 60 و107 جنيهات حسب العلامة التجارية ومكان البيع. أما زيت عباد الشمس "سلايت"، فقد سجل متوسطًا قدره 92 جنيهًا، مع نطاق سعري يتراوح بين 68 و105 جنيهات.

 

القفزة الأكبر كانت في زيت الذرة، الذي بلغ متوسط سعره 108 جنيهات، بينما تراوحت الأسعار بين 77 و135 جنيهًا للّتر، وهو ما يعكس ارتفاعًا بنسبة تتراوح بين 40% و70% مقارنة بالعام الماضي، حين كان سعر اللتر يتراوح بين 55 و75 جنيهًا فقط. أما زيت الذرة "كريستال"، فقد سجل متوسطًا قدره 109 جنيهات، مع أسعار تتراوح بين 75 و125 جنيهًا.

 

هذه الزيادة الحادة دفعت كثيرًا من الأسر إلى تقليل الاستهلاك أو التحول إلى بدائل أقل جودة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على ميزانيات الأسر المصرية.

 

الزيت التمويني

في المقابل، تواصل الشركة القابضة للصناعات الغذائية طرح عبوات الزيت التمويني بأسعار مدعومة، حيث تُباع عبوة 1.5 لتر بسعر 56 جنيهًا، وعبوة 800 مللي بسعر 30 جنيهًا، وعبوة 700 مللي بسعر 27 جنيهًا. ورغم أن هذه الأسعار تُعد الأقل في السوق، فإن الكميات المتاحة لا تكفي لتغطية الطلب المتزايد، خاصة مع ارتفاع أسعار الزيوت الحرة.

 

ويرى خبراء الزراعة والصناعات الغذائية أن أزمة أسعار الزيت ليست مجرد انعكاس لارتفاع الأسعار العالمية، بل هي نتيجة مباشرة لاعتماد مصر شبه الكامل على الاستيراد. ويؤكد الدكتور محمود العشري، خبير الصناعات الغذائية، أن مصر تستورد ما بين 95% إلى 97% من احتياجاتها من زيوت الطعام، سواء زيت الذرة أو عباد الشمس أو فول الصويا، وهو ما يجعل السوق المحلية شديدة الحساسية لأي اضطراب عالمي.

 

ويضيف العشري أن الإنتاج المحلي من الزيوت "انهار فعليًا" خلال السنوات الأخيرة، بسبب تراجع زراعة المحاصيل الزيتية مثل عباد الشمس وفول الصويا والكتان، وانخفاض العائد الاقتصادي للمزارع مقارنة بمحاصيل أخرى أكثر ربحية. ويشير إلى أن مصر كانت تنتج قبل عقدين ما يقارب 20% من احتياجاتها، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي اليوم 3% في أفضل التقديرات.

ويرى الخبراء أن ارتفاع أسعار الزيت عالميًا بنسبة تتراوح بين 20% و35% خلال العام الماضي، نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الشحن، انعكس مباشرة على السوق المصرية. ومع ضعف الإنتاج المحلي، أصبحت مصر أكثر عرضة للتقلبات العالمية، ما أدى إلى وصول الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.

لماذا انهار الإنتاج المحلي؟

ويرى خبراء التموين والتجارة الداخلية أن انهيار الإنتاج المحلي من زيوت الطعام لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمات استمرت لسنوات طويلة. ويؤكد الدكتور ممدوح رمضان، المتحدث السابق باسم وزارة التموين وخبير التجارة الداخلية، أن مصر فقدت قدرتها على إنتاج الزيوت تدريجيًا بسبب “غياب سياسة زراعية واضحة للمحاصيل الزيتية”، موضحًا أن الدولة لم تقدّم للمزارعين أي حوافز تشجعهم على زراعة عباد الشمس أو فول الصويا، وهما المحصولان الأساسيان لإنتاج الزيت.

ويضيف رمضان أن المزارع المصري اتجه إلى محاصيل أكثر ربحية مثل البطاطس والذرة والقمح، ما أدى إلى تراجع المساحات المزروعة بالمحاصيل الزيتية بنسبة تتجاوز 80% خلال العقد الأخير.

ويشير اللواء مجدي الشاطر، نائب رئيس هيئة السلع التموينية الأسبق، إلى أن الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد خلق “تشوهًا هيكليًا” في السوق، حيث أصبحت المصانع تعتمد على الزيت الخام المستورد بدلًا من شراء المحصول المحلي، ما أفقد الفلاح الثقة في وجود سوق حقيقية لمنتجه.

ويؤكد الشاطر أن مصر تستورد اليوم ما بين 95% إلى 97% من احتياجاتها من الزيوت، وهو ما يجعل الأسعار المحلية رهينة للتقلبات العالمية، ويجعل أي اضطراب في سلاسل الإمداد أو ارتفاع في أسعار الشحن ينعكس مباشرة على المستهلك.

أما حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، فيوضح أن تكلفة زراعة المحاصيل الزيتية أصبحت أعلى من العائد، خاصة مع ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات وتراجع أسعار التوريد، ما دفع آلاف المزارعين إلى التخلي عنها. ويضيف أن غياب مصانع استخلاص صغيرة بالقرب من مناطق الإنتاج أدى إلى زيادة تكلفة النقل، ما جعل زراعة المحاصيل الزيتية “غير مجدية اقتصاديًا” مقارنة بمحاصيل أخرى.

ويتفق الخبراء على أن انهيار الإنتاج المحلي هو السبب الرئيسي وراء القفزة الكبيرة في الأسعار، حيث ارتفع سعر لتر الزيت من 75 جنيهًا إلى 135 جنيهًا خلال عام واحد فقط، وهي زيادة وصفها الدكتور رمضان بأنها “انعكاس مباشر لانكشاف السوق المصرية أمام الاستيراد”. ويؤكد أن الحل يبدأ بإعادة إحياء زراعة المحاصيل الزيتية عبر تقديم دعم مباشر للمزارعين، وتحديد سعر توريد عادل، وإنشاء مصانع استخلاص قريبة من مناطق الزراعة، حتى لا تبقى مصر رهينة للأسعار العالمية.
 

بعد موجة ارتفاعات متتالية وصل سعر لتر زيت الذرة إلى 135 جنيهًا، وهو أعلى مستوى يصل إليه منذ بدء الأزمة العالمية في أسعار الزيوت. ورغم أن التقارير الحكومية تشير إلى متوسطات أقل، فإن جولة في الأسواق تكشف أن الأسعار الفعلية تجاوزت كل التوقعات، خاصة في المناطق ذات الكثافة الاستهلاكية العالية.

يتوقع الخبراء أن تظل الأسعار مرتفعة خلال الأشهر المقبلة، ما لم تتدخل الدولة بخطة عاجلة لزيادة الإنتاج المحلي، أو توفير مخزون استراتيجي يكفي لامتصاص الصدمات. ويشير الدكتور العشري إلى أن الحل الحقيقي يبدأ من "الأرض"، عبر إعادة إحياء زراعة المحاصيل الزيتية وتقديم دعم مباشر للمزارعين.