تشهد المنطقة واحدة من أخطر موجات التصعيد منذ عقود، بعد أن ضرب الكيان الصهيوني حقل الغاز الإيراني الأهم، فردّت طهران بقصف منشآت حيوية في الخليج، أبرزها حقل رأس لفان في قطر، أكبر مركز لإنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم. هذا التصعيد، الذي يهدد الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي، فجّر موجة غضب واسعة على منصات التواصل، حيث عبّر مراقبون وخبراء عن مخاوفهم من انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة، وانتقدوا بشدة استهداف منشآت الطاقة المدنية، محذرين من أن هذه الهجمات تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وتهديدًا مباشرًا لحياة المدنيين واستقرار الدول.
خلفية التصعيد
وبدأت شرارة الأزمة حين شنّ الكيان الصهيوني ضربة على حقل بارس الجنوبي، أكبر حقل غاز في العالم والمشترك بين إيران وقطر، وقالت تقارير أكسيوس وتايمز أوف "إسرائيل" أن الهجوم استهدف البنية التحتية التي تزود 70% من احتياجات إيران الداخلية من الغاز، ما أدى إلى انقطاعات كهرباء واسعة وارتفاع عالمي في أسعار الغاز المسال.
وأكد الباحث أحمد مولانا (@amawlana84) أن الهجوم تم بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وأنه يمثل بداية “استهداف موسع للبنية التحتية” في إطار حرب تتصاعد بسرعة.
ورغم أن إيران تمتلك القدرة على ضرب حقول الغاز الإسرائيلية مثل ليفياثان وتمار وكاريش، فإنها اختارت الرد في الخليج، مستهدفة قطر والسعودية والإمارات.
وهذا السلوك أثار تساؤلات حادة، عبّر عنها الأكاديمي المتخصص في الشريعة الإسلامية الدكتور محمد يسري إبراهيم (@DrMohamadYousri) الذي قال: “الكيان الصهيوني يضرب حقل الغاز الأهم في إيران، فلماذا يكون الرد الإيراني في قطر؟!”. هذا السؤال أصبح محور النقاش العام، خصوصًا مع تزايد القناعة بأن إيران تتصرف بطريقة تخدم أهدافًا لا علاقة لها بالدفاع عن النفس.
غضب من استهداف منشآت الطاقة المدنية
ومن أبرز الأصوات التي أدانت الهجمات كان د.أسامة رشدي العضو السابق بالمجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر وعبر (@OsamaRushdi)، أكد أن منشآت الطاقة المدنية “ليست أهدافًا مشروعة”، وأن استهدافها يمثل انتهاكًا للقانون الدولي. وقال إن تحويل الخليج إلى “ساحة انتقام مفتوح” يهدد حياة المدنيين واقتصادات الدول، محذرًا من أن توسيع دائرة النار ليشمل البنى الحيوية “لا يخدم إلا من يريد جرّ المنطقة إلى فوضى شاملة”. وأكد أن من حق إيران الدفاع عن نفسها، لكن ليس من حقها “معاقبة دول أخرى أو تهديد أمنها الحيوي”.
هذا الموقف الحقوقي وجد صدى واسعًا، إذ اعتبر كثيرون أن استهداف منشآت الطاقة يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي، وهو محظور دوليًا. كما أن ضرب حقل رأس لفان، الذي يزود العالم بـ20% من الغاز المسال، يهدد الأمن الطاقي العالمي، ويعرض ملايين البشر لأزمات اقتصادية.
انتحار استراتيجي
وصف المحلل السياسي السوري د.أحمد رمضان (@AhmedRamadan_SY) السلوك الإيراني بأنه “انتحار”، معتبرًا أن طهران تخدم مباشرة أهداف نتنياهو وترامب. وقال إن إيران “تُضرب في عمقها، لكنها ترد بضرب العمق الخليجي”، مضيفًا أن هذا السلوك يوسع دائرة الحرب بدل تركيزها على من “قتل قادتها ودمر منشآتها”. وأشار إلى أن خطة ترامب تهدف إلى “تدمير إيران وإغراق المنطقة في الفوضى”، بينما يسعى نتنياهو إلى “تقويض استقرار الخليج واستهداف السعودية”.
وتقاطع هذا التحليل مع رؤية البرفيسور تاج السر عثمان (@tajalsserosman)، الذي وصف ما يجري بأنه “لعبة مكشوفة”، حيث يشعل الكيان الصهيوني الفتيل، بينما “تقع إيران في الفخ وتتحول إلى مولّد للفوضى”. وأكد أن استهداف المنشآت المدنية الخليجية يحقق أهدافًا إسرائيلية بحتة، داعيًا الشعوب العربية إلى إدراك أن “عدوها الحقيقي هو من يخدم هذه المشاريع، سواء كان متصهينًا أو متأيرنًا”.
حرب إقليمية شاملة
ومن جانبه رأي الباحث علاء بيومي (@Alaabayoumi) أن المنطقة تقف على أعتاب “أسوأ وأخطر حرب إقليمية منذ عقود”، مشيرًا إلى أن الحرب تحولت خلال أسابيع قليلة إلى تهديد مباشر للاقتصاد العالمي. وأكد أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يتصرفان “برعونة مخيفة”، وأن غياب قوة دولية قادرة على ردعهما يجعل المنطقة عرضة لانفجار أكبر. وأضاف أن ما يجري يبدو كأنه محاولة “لتدمير أكبر قدر من دول المنطقة لصالح المشروع الأمريكي الصهيوني”.
واتفق معه الكاتب محمد جمال عرفة، الذي أكد أن إيران بدأت ردها “للأسف في الخليج لا في الكيان الصهيوني”، رغم أن الخطة الصهيوأمريكية واضحة: “ضرب العرب والمسلمين بعضهم ببعض، وإحراق المنطقة اقتصاديًا”. وأشار إلى أن إيران قصفت رأس لفان والفجيرة والرياض، بينما لم تستهدف بعد منشآت الغاز الإسرائيلية، رغم أن حزب الله قصف تل أبيب وعسقلان.
ومن جانبها، اعتبرت قطر الملحق العسكري والملحق الأمني في السفارة الإيرانية “أشخاصًا غير مرغوب فيهم”، وأمهلتهم 24 ساعة لمغادرة البلاد. وأوضحت وزارة الخارجية أن القرار جاء بسبب “الاستهدافات الإيرانية المتكررة والعدوان الغاشم الذي طال دولة قطر”، مؤكدة أن استمرار هذا النهج سيقابل بإجراءات إضافية. هذا الموقف يعكس حجم الغضب القطري من استهداف منشآت الطاقة، ويشير إلى أن العلاقات الخليجية‑الإيرانية تدخل مرحلة توتر غير مسبوقة.
إغلاق الأجواء الخليجية أمام الطيران الأمريكي
طرح السياسي الكويتي ناصر الدويلة (@nasser_duwailah) رؤية جذرية، داعيًا دول الخليج إلى “إغلاق أجوائها تمامًا أمام أي طيران أمريكي أو غيره متجه لإيران”، وإعلان الحياد الكامل. وقال إن استمرار السماح للطيران الأمريكي باستخدام الأجواء الخليجية سيجعل دول المنطقة “تتعرض لآثار الحرب دون أن يكون لها فيها أي مصلحة”. وحذر إيران من أن استجابتها لرغبة الكيان الصهيوني بقصف منشآت النفط الخليجية “ستكون له عواقب وخيمة”.
وطرح الباحث ناصر بن راشد النعيمي (@AlnuaimiNasser1) سؤالًا مهمًا: “من المستفيد من قصف رأس لفان؟”. وأوضح أن الحقل يوفر ثلث إمدادات الهيليوم العالمية، وأن الولايات المتحدة هي أكبر منتج للهيليوم، ما يعني أن توقف الإمدادات الخليجية قد يدفع الدول إلى شراء الغاز الأمريكي. ورغم ذلك، أكد أن واشنطن “لن تستطيع تلبية الطلب المفاجئ”، ما يجعل الضربة تهديدًا عالميًا لا إقليميًا فقط.
وتكشف ردود الفعل الواسعة من المراقبين والخبراء أن استهداف منشآت الطاقة في الخليج يمثل تحولًا خطيرًا في مسار الحرب، ويهدد بإشعال صراع إقليمي واسع قد يمتد لسنوات. وبينما يواصل الكيان الصهيوني ضرب العمق الإيراني، ترد طهران بضرب دول الخليج بدل استهداف منشآت الغاز الصهيونية، ما يثير تساؤلات حول أهدافها الحقيقية، ويعزز المخاوف من أن المنطقة تُدفع نحو فوضى شاملة تخدم أطرافًا خارجية.
وفي ظل غياب موقف دولي رادع، تبقى الحاجة ملحّة إلى تحرك عربي موحد يرفض استهداف المدنيين والبنى الحيوية، ويمنع تحويل الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة، حفاظًا على أمن الشعوب واستقرار المنطقة.