أثار تصريح المنقلب عبد الفتاح السيسي، الذي قال فيه: إن «الدولة حاجة تانية خالص، واللي عنده حلول ييجي، وإحنا هنسمع منه»، موجة واسعة من التعليقات بين الخبراء والأكاديميين، خاصة مع تذكير عدد منهم بوجود شخصيات اقتصادية مرموقة داخل السجون منذ سنوات، رغم امتلاكها رؤى إصلاحية، وخبرات دولية معترف بها، وفي مقدمة هؤلاء يأتي اسم الدكتور عبد الله شحاتة خطاب، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، ومستشار وزارة المالية السابق، ورئيس فريق التفاوض المصري مع صندوق النقد الدولي في فترة ما قبل 2013.
البداية جاءت من منشور لخبير العلاقات الدولية سامي حسن، الذي روى تجربته الشخصية مع أحد مساعدي وزير المالية، حين طُلب منه ترشيح شخصية مناسبة لمنصب مستشار الوزير للعلاقات الخارجية، وبحسب روايته، فإن المسؤول الذي سبق أن عمل في مؤسسات دولية كبرى، وضع مواصفات دقيقة للمنصب، تشبه إلى حد كبير مواصفات كبار التنفيذيين في الشركات العالمية، لكنه فوجئ بأن الراتب المعروض لا يتجاوز 12 ألف جنيه مصري، وعندما سأله حسن ما إذا كان الرقم بالدولار، أجابه المسؤول بأن المبلغ بالجنيه المصري، مؤكداً أن هذه هي «المرتبات الحقيقية» داخل الوزارة بعد انتهاء عهد الرواتب الضخمة التي كانت تُصرف في حقبة مبارك.
سامي حسن أضاف في منشوره أن المسؤول نفسه، القادم من البنك الدولي، كان يتقاضى 18 ألف جنيه فقط، وهو أعلى راتب في الوزارة، قبل أن يروي واقعة تتعلق بالدكتور عبد الله شحاتة، الذي كان – بحسب قوله – من أبرز العقول الاقتصادية التي تعاملت معها الدولة في العقد الأخير، وأشار حسن إلى أن شحاتة رفض في يونيو 2013 تسليم ملف تهرب ضريبي ضخم يتعلق بمجموعة «عامر جروب» ورجل الأعمال محمد أمين إلى المجلس العسكري، رغم الضغوط التي مورست عليه، وهو ما اعتبره حسن أحد أسباب استهدافه لاحقاً.
https://www.facebook.com/photo?fbid=10164600077115350&set=a.10159470614325350
ومن جانبه أوضح الأكاديمي والمحلل السياسي د. خليل العناني مؤكداً أن الدكتور عبد الله شحاتة «زميل وصديق عزيز»، وأنه «خبير كبير في الاقتصاد، خاصة في مجال الموازنة العامة للدولة». وأضاف العناني أن شحاتة «يقضي سنوات من السجن المشدد ظلماً وقهراً دون أي ذنب»، مشيراً إلى أن مكانه الطبيعي هو الجامعات ومراكز صناعة القرار، وليس الزنازين.
أما الخبير الاقتصادي د.عبد الحافظ الصاوي، فربط تصريح السيسي مباشرة بقضية شحاتة، قائلاً: إن "الرجل يمتلك الكثير من الحلول لأزمة مصر الاقتصادية، وإن مكانه ليس المعتقل بل مراكز صناعة القرار"، وأوضح الصاوي أن شحاتة كان أستاذاً مساعداً للاقتصاد بجامعة القاهرة، ومستشاراً لصندوق النقد الدولي، ومستشاراً لوزارة المالية ولجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب، قبل أن يتم اعتقاله في نوفمبر 2014.
وتعيد هذه التعليقات إلى الواجهة تقريراً مفصلاً نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش في فبراير 2015، طالبت فيه القضاء المصري بالتحقيق في تعرض شحاتة وشقيقه للتعذيب أثناء احتجازهما، التقرير نقل عن محاميه عزت غنيم أن شحاتة تعرض لصدمات كهربائية وضروب مختلفة من الإيذاء لإجباره على الاعتراف بحيازة أسلحة وتصنيع متفجرات، وأشار التقرير إلى أن النيابة تجاهلت شكاوى التعذيب، وأن شحاتة ظهر لاحقاً في فيديو لوزارة الداخلية يعترف فيه بتهم قال محاموه إنها ملفقة.
وأوضح التقرير الحقوقي الدولي أن شحاتة احتُجز في زنزانة انفرادية بسجن العقرب شديد الحراسة، وحُرم من الرعاية الطبية، ومنع أهله من إدخال الأدوية الخاصة بعلاج ارتفاع الكوليسترول، كما أشار إلى أن أسرته لم تتمكن من زيارته إلا مرة واحدة لمدة عشر دقائق خلف حاجز زجاجي، في ظروف وصفها التقرير بأنها قاسية وغير إنسانية.
وتشير شهادات زملاء شحاتة في جامعة القاهرة إلى أنه كان من أبرز العقول الاقتصادية في جيله، وأنه لعب دوراً محورياً في إعداد حزمة من القوانين الاقتصادية التي كانت تستهدف جذب استثمارات حقيقية عبر أدوات تمويلية شرعية، بالتعاون مع فريق من الخبراء، من بينهم الدكتور محمد حامد حسان. كما كان شحاتة – وفق شهاداتهم – صاحب رؤية واضحة لمعالجة أزمة السيولة وعجز الموازنة، وهي الملفات التي ما تزال تمثل تحدياً مركزياً للاقتصاد المصري حتى اليوم.
ويقول أحد زملائه – وفق ما نقلته هيومن رايتس ووتش – : إن "محاولات الاستعانة بالمجلس القومي لحقوق الإنسان لزيارته في السجن باءت بالفشل، وإن أحداً داخل المجلس لا يستطيع التدخل"، ويضيف أن شحاتة كان يحظى باحترام واسع داخل الجامعة، وأنه كان من المتوقع أن يتولى مناصب اقتصادية رفيعة لو لم يتم اعتقاله.
اللافت أن السيسي نفسه كان قد اعترف عدة مرات منها كلمته في الأكاديمية قبل نحو شهرين في خطاب رسمي بوجود تجاوزات من الشرطة، لكنه اعتبرها «متوقعة» في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، غير أن منظمات حقوقية دولية رأت أن هذه التجاوزات أصبحت منهجية، وأن تجاهل التحقيق في مزاعم التعذيب يفاقم مناخ الإفلات من العقاب.
ومع تصاعد الأزمة الاقتصادية في مصر، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة الجنيه، عاد اسم عبد الله شحاتة إلى الواجهة باعتباره أحد الخبراء القادرين على تقديم حلول واقعية، وفق ما يؤكده الصاوي والعناني وغيرهما، ويشير هؤلاء إلى أن شحاتة يمتلك خبرة واسعة في المالية العامة، وأنه قاد بنفسه مفاوضات مصر مع صندوق النقد الدولي، ما يجعله من القلائل الذين يجمعون بين الخبرة الأكاديمية والعملية في آن واحد.
ويذهب بعض المراقبين إلى أن تصريحات السيسي الأخيرة قد تعكس رغبة في فتح الباب أمام أفكار جديدة، لكنهم يتساءلون عن مدى جدية هذا التوجه في ظل استمرار اعتقال خبراء يمتلكون بالفعل رؤى إصلاحية، ويرى آخرون أن استبعاد الكفاءات الاقتصادية، سواء عبر التهميش أو الاعتقال، ساهم في تفاقم الأزمة الحالية، وأن إعادة دمج هذه الخبرات في مؤسسات الدولة قد يكون خطوة ضرورية للخروج من المأزق.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات للإفراج عن شحاتة، يرى مراقبون أن قضيته أصبحت رمزاً أوسع لمشكلة العلاقة بين السلطة والخبراء المستقلين، فبينما تطالب الدولة بالحلول، يقبع أصحاب الحلول – كما يقول الصاوي – خلف القضبان، في مفارقة تعكس عمق الأزمة السياسية والاقتصادية في البلاد.