تشهد أماكن الاحتجاز في مصر موجة جديدة من الانتهاكات الجسيمة، كان آخرها ما ورد في شهادات مسرّبة من داخل قسم شرطة أول الزقازيق بمحافظة الشرقية، حيث أفاد محتجزون بتعرضهم لاعتداءات عنيفة وتعذيب ممنهج عقب إعادة احتجازهم يوم 10 مارس 2026 على ذمة المحضر رقم 2209 لسنة 2026 جنح أول الزقازيق، وتأتي هذه الوقائع رغم حصول بعضهم على قرارات بالبراءة أو إخلاء السبيل، قبل أن يُعاد تدويرهم في القضية ذاتها، في ممارسة باتت تُعرف داخل الأوساط الحقوقية بـ"إعادة التدوير"، والتي تُستخدم للتحايل على قرارات القضاء وإبقاء المحتجزين رهن الاحتجاز التعسفي.
وبحسب الرسائل التي خرجت من داخل القسم، فقد تعرض المحتجزون فور إعادتهم إلى ما يُعرف داخل أماكن الاحتجاز بـ"التشريفة"، وهي ممارسة عقابية تتضمن الضرب المبرح بالعصي والمواسير البلاستيكية أثناء تقييد المحتجزين بالكلبشات الحديدية، مصحوبًا بسب وقذف وإهانات لفظية، وأسفرت الاعتداءات عن إصابات بالغة، شملت كسورًا وجروحًا قطعية وكدمات شديدة، دون تقديم أي رعاية طبية لاحقة، ومن بين الحالات التي ورد ذكرها، حالة أحمد محمد أحمد عبد الغني الذي أصيب بكسر في اليد اليمنى وجرح قطعي في الرأس وكدمات متفرقة، وهو نجل الدكتور محمد عبد الغني وشقيق المهندس أيمن عبد الغني، فيما سبق أن توفي عمه الدكتور عمر عبد الغني داخل القسم نفسه قبل سنوات، كما فقد المحتجز محمد عطية عبد الحميد الوعي نتيجة شدة الضرب، وفق ما ورد في الشهادات.
وتشير الروايات إلى أن الاعتداءات شارك فيها عدد من ضباط وأفراد الشرطة، بينهم الرائد محمد مكي، الملازم أول عبد الرحمن، الرائد عماد، الشاويش إسماعيل، والمخبر كمال، إلى جانب أفراد آخرين من القوة، وتؤكد الشهادات أن مأمور القسم العقيد أسامة حليمة حضر الواقعة وأمر بترك المحتجزين مكبلين على الأرض لفترة طويلة وهم صائمون، في انتهاك صارخ للمعايير الإنسانية الدنيا، وللقانون المصري الذي يحظر تعريض المحتجزين لأي معاملة قاسية أو مهينة.
وبعد الاعتداء الأول، أُودع المحتجزون داخل حجز مكتظ يفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الاحتجاز الآدمي، ما دفع عددًا منهم إلى إعلان الإضراب عن الطعام احتجاجًا على ما تعرضوا له، ومن بين المضربين أحمد محمد أحمد عبد الغني، وأمجد حسن صابر، وعمر عبد الرحمن عبد اللطيف، وعلي السيد محمد سعد، غير أن الإضراب قوبل باعتداء جديد يوم 13 مارس/آذار 2026، حيث دخلت قوة أمنية إلى الحجز واعتدت عليهم مجددًا بالضرب لإجبارهم على إنهاء الإضراب، وذلك بمشاركة نائب المأمور إبراهيم عتيق وعدد من أفراد القوة، رغم عدم تلقي المحتجزين أي علاج لإصاباتهم السابقة.
وتكشف هذه الوقائع عن نمط متكرر من الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز في مصر، حيث يجري استخدام العنف المفرط كأداة للترهيب والسيطرة، في ظل غياب الرقابة الفعالة، وحرمان المحتجزين من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في السلامة الجسدية، والحق في الرعاية الطبية، والحق في عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية أو المهينة، كما تعكس استمرار سياسة "إعادة التدوير" التي تُستخدم لإطالة أمد الاحتجاز خارج إطار القانون، رغم صدور قرارات قضائية بالإفراج.
وفي هذا السياق، أعربت منظمات حقوقية، بينها "جوار" و"مركز الشهاب لحقوق الإنسان"، عن قلقها البالغ إزاء ما ورد في الشهادات، محذرة من أن استمرار هذه الممارسات لن يؤدي إلا إلى مزيد من التأزم والانتهاك، وأكدت أن مرتكبي هذه الجرائم لن يفلتوا من المحاسبة، وأن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن كل من شارك أو تستر على هذه الانتهاكات سيُحاسب مهما طال الزمن.
وطالب مركز الشهاب بفتح تحقيق قضائي مستقل وفوري في الوقائع، وعرض المحتجزين على الطب الشرعي لتوثيق الإصابات رسميًا، وتوفير الرعاية الطبية العاجلة للمصابين، وتمكين النيابة العامة والجهات الرقابية من إجراء زيارات تفتيش مفاجئة لأماكن الاحتجاز، كما دعا إلى وقف ممارسات التعذيب والمعاملة القاسية، واحترام قرارات القضاء، وإنهاء سياسة إعادة التدوير التي تُستخدم للتحايل على القانون.
وتبقى هذه الشهادات مؤشرًا خطيرًا على تدهور أوضاع حقوق الإنسان داخل أماكن الاحتجاز، وعلى الحاجة الملحة إلى تدخل عاجل يضمن حماية المحتجزين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإرساء بيئة احتجاز تحترم الكرامة الإنسانية وسيادة القانون.