تدخل أزمة احتجاز مجموعة من الصيادين المصريين في إريتريا (14 صيادا) يومها الثالث عشر، وسط غياب كامل لأي تحرك رسمي أو بيان توضيحي من الجهات المعنية، ما أثار قلقًا واسعًا بين أسر المحتجزين في مدينة عزبة البرج بمحافظة دمياط، وكان الصيادون قد أبحروا من ميناء برنيس جنوب البحر الأحمر في 24 فبراير الماضي على متن مركب الصيد "زكريا فؤاد"، قبل أن يتم احتجازهم من قبل البحرية الإريترية قرب جزر دهلك، وفق ما نقله موقع "مدى مصر" عن ذويهم.
وبحسب روايات الأهالي، فقد علموا بالواقعة من صيادين آخرين كانوا في المنطقة ذاتها وشاهدوا البحرية الإريترية وهي تقتاد المركب إلى داخل أحد الموانئ الإريترية بدعوى دخول المياه الإقليمية، ومنذ ذلك الحين انقطع الاتصال تمامًا مع الصيادين الأربعة عشر، بينما لم تصدر وزارة الخارجية أو مجلس الوزراء أي بيان يوضح ملابسات الحادث أو يطمئن الأسر على مصير أبنائهم، ويقول الأهالي: إنهم "تقدموا ببلاغات رسمية لمجلس الوزراء، إلا أن الرد اقتصر على إبلاغهم بأن البعثة المصرية في إريتريا ستتواصل معهم عند ورود أي معلومات، وهو ما اعتبره الأهالي تجاهلًا لمعاناة ذويهم، وكأن الحكومة مجرد وسيط اتصال لا جهة مسؤولة عن حماية مواطنيها".
ولا تزال أسباب دخول المركب إلى المياه الإريترية غير واضحة، وسط تضارب الروايات بين احتمال حدوث عطل دفع المركب إلى الانجراف بسبب ارتفاع الأمواج، وبين احتمال دخول الصيادين للصيد في تلك المنطقة، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن المركب لم يكن يحمل ترخيصًا للصيد، ويؤكد الأهالي أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها احتجاز صيادين مصريين في إريتريا خلال السنوات الأخيرة، وأن عمليات الاحتجاز كانت تنتهي عادة بالإفراج عنهم بعد فترة مقابل كفالات، لكن دون استعادة مراكبهم.
تضييق داخلي يدفع الصيادين إلى مخاطرة خارج الحدود
ومع حادث احتجاز الصيادين في اريتريا، أكدت مصادر إعلامية غرق مركب صياد مصري من محافظة دمياط قرب السواحل التركية في البحر المتوسط، بعد فقدانه منذ نحو 12 يوماً وأسفر الحادث عن مصرع طاقمه المكوّن من 7 بحارة جميعهم من أبناء دمياط، بعدما أبحر المركب مطلع فبراير من بوغاز عزبة البرج في رحلة صيد كان يفترض أن تستمر 25 يوما.
وتطرح هذه الحوادث المتكررة سؤالًا ملحًا حول الأسباب التي تدفع الصيادين المصريين إلى الإبحار لمسافات بعيدة وخطرة، رغم المخاطر الأمنية والقانونية، فمدينة عزبة البرج، مثل كثير من المناطق الساحلية، تعتمد بشكل شبه كامل على الصيد كمصدر رزق، لكن الصيادين يواجهون تضييقا متزايدا داخل المياه المصرية، سواء بسبب القرارات الإدارية أو القيود المفروضة على مهن الصيد.
ففي ديسمبر 2024، أصدر محافظا البحر الأحمر وجنوب سيناء قرارات منفصلة بحظر صيد الشانشولا والجر لمدة لا تقل عن خمس سنوات في مناطق واسعة من البحر الأحمر، ما أدى إلى حرمان آلاف الصيادين من مصدر رزقهم.
ولا تقتصر معاناة الصيادين على القرارات الإدارية، بل تمتد إلى طريقة إدارة البحيرات من قبل جهات عسكرية لا تمتلك خبرة كافية في هذا القطاع، وفق ما يقوله الصيادون.
ففي بحيرة البردويل، أدى فرض اشتراطات جديدة للصيد إلى توقف العمل لفترات طويلة، كما تم منع صيد أنواع تمثل مصدر الدخل الأساسي للصيادين مثل الجمبري والدنيس، وفي بحيرة المنزلة، تحولت مساحات واسعة من البحيرة إلى مزارع سمكية خاصة بعد سنوات من "التطوير"، ما قلّص المساحات المتاحة للصيد التقليدي، بينما سمح استخدام وسائل صيد جائرة مثل اللنشات السريعة والكهرباء والبنادق بزيادة التلوث وتراجع المخزون السمكي.
وتفاقمت الأزمة مع قرارات جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية برفع الرسوم والضرائب على الصيادين بشكل كبير، في وقت ترتفع فيه أسعار الوقود وتكاليف الصيد، ما دفع كثيرين إلى الهروب من هذه الضغوط عبر الإبحار إلى مناطق بعيدة، رغم المخاطر، وهكذا يجد الصياد المصري نفسه محاصرًا بين تضييق داخلي وغياب حماية خارجية، في معادلة لا تترك له سوى خيارات خطرة.
وتعيد أزمة الصيادين المحتجزين في إريتريا إلى الأذهان حوادث مشابهة خلال السنوات الماضية، منها احتجاز بحارة مصريين قبالة سواحل الإمارات لمدة أربعة أشهر قبل تدخل السلطات، وحوادث غرق مهاجرين مصريين في البحر المتوسط دون متابعة رسمية، إضافة إلى المصريين الذين احتُجزوا في ليبيا لفترات طويلة دون تحرك واضح، وكذلك قضية المصريين التسعة الذين اتُّهموا في حادث غرق مركب يوناني قبل أن تتم تبرئتهم دون أي دعم رسمي يذكر.
شعار وواقع
وفي هذا السياق، يبرز سؤال حول شعار "مسافة السكة" الذي رُوّج له رسميًا باعتباره تعبيرًا عن سرعة تدخل الدولة لحماية مواطنيها في الخارج، لكن الواقع، كما يراه كثيرون، يكشف عن فجوة واسعة بين الشعار والممارسة، فالصيادون المحتجزون في إريتريا، والمصريون الذين يواجهون الخطر في البحار أو الاحتجاز في دول أخرى، لا يجدون تدخلًا سريعًا ولا حتى بيانًا يطمئن أسرهم، ويبدو أن "مسافة السكة" تتحرك فقط في اتجاهات سياسية معينة، بينما تتباطأ أو تتوقف تمامًا عندما يتعلق الأمر بمواطنين بسطاء لا يملكون نفوذًا أو صوتًا مسموعًا.
إن ما يواجهه الصيادون اليوم ليس مجرد حادث احتجاز عابر، بل نتيجة تراكمات طويلة من الإهمال وسوء الإدارة وغياب السياسات التي تحمي هذه الفئة التي تمثل جزءًا أصيلًا من الاقتصاد المصري، ومن حق الأسر أن تتلقى معلومات واضحة عن مصير أبنائها، ومن حق الصيادين أن يعملوا في بيئة آمنة داخل بلدهم دون أن يُدفعوا إلى المخاطرة بحياتهم في مياه دول أخرى.
وفي ظل استمرار الصمت الرسمي، يطالب الأهالي وزارة الخارجية والجهات المختصة بإصدار بيان عاجل يوضح حالة الصيادين المحتجزين، واتخاذ خطوات جادة لإعادتهم إلى وطنهم، كما يطالبون بإعادة النظر في السياسات التي أدت إلى تدهور قطاع الصيد، بدءًا من إدارة البحيرات وحتى الرسوم والضرائب، باعتبار أن هذه الثروة ملك للمصريين جميعًا وليست مجالًا للسيطرة أو الاحتكار.