مصر تعود إلى إطفاء الشوارع بزعم التقشف.. هل تتكرر أزمة الكهرباء في صيف 2026؟

- ‎فيتقارير

 

تعود أزمة الكهرباء إلى الواجهة في مصر مرة أخرى، بعد إعلان الحكومة إجراءات جديدة لترشيد استهلاك الطاقة، تضمنت إطفاء إنارة اللوحات الإعلانية وتخفيض إضاءة أعمدة الشوارع بنسبة لا تقل عن 50% خلال ساعات الليل.

القرار جاء خلال اجتماع لجنة إدارة الأزمات برئاسة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، لمتابعة تداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية لإيران، وسط حديث رسمي عن اضطرابات في سلاسل الإمدادات العالمية.

لكن هذه الإجراءات أعادت طرح سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة طاقة في مصر: **كيف تحولت دولة كانت تُصدِّر الغاز الطبيعي قبل سنوات قليلة إلى دولة تعتمد على استيراده من إسرائيل؟**

 

من دولة مصدرة للغاز إلى مستورد رئيسي

 

قبل أقل من عقد، كانت مصر تروّج لنفسها باعتبارها مركزًا إقليميًا للطاقة، خاصة بعد اكتشافات الغاز الضخمة في البحر المتوسط، وعلى رأسها حقل "ظُهر".

وفي عام 2018 أعلنت الحكومة تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، بل وبدأت تصدير الفائض إلى الأسواق العالمية، وهو ما اعتُبر حينها إنجازًا اقتصاديًا كبيرًا.

لكن المشهد تغيّر تدريجيًا خلال السنوات التالية، إذ بدأت مصر تستورد كميات متزايدة من الغاز من إسرائيل لتشغيل محطات الكهرباء وتغذية مصانع الطاقة، في تحول لافت أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية.

 

اتفاقيات الغاز مع إسرائيل.. اقتصاد أم تبعية؟

 

تعود جذور الاعتماد المصري على الغاز الإسرائيلي إلى اتفاقيات أُبرمت خلال السنوات الماضية لاستيراد الغاز من حقول شرق المتوسط الواقعة تحت سيطرة إسرائيل، وعلى رأسها حقلا "ليفياثان" و"تمار".

ووفق هذه الاتفاقيات، يتم نقل الغاز الإسرائيلي إلى مصر عبر خطوط أنابيب بحرية، ليُعاد توجيهه إما للاستهلاك المحلي أو لإعادة تصديره بعد تسييله في محطات الغاز المصرية.

لكن منتقدي هذه السياسات يرون أن هذه الترتيبات حوّلت مصر من لاعب رئيسي في سوق الغاز إلى ممر للطاقة الإسرائيلية، بينما أصبحت الشبكة الكهربائية المصرية تعتمد جزئيًا على إمدادات قادمة من الخارج.

 

الجدل حول حقول شرق المتوسط

 

أحد أبرز محاور الانتقاد يتمثل في ملف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، الذي يرى معارضون أنه أدى إلى خسارة مصر أجزاء من مناطق يُعتقد أنها غنية بالغاز الطبيعي.

ويشير هؤلاء إلى أن اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية التي أبرمتها القاهرة خلال السنوات الماضية أعادت رسم خريطة مناطق الامتياز في المتوسط، وهو ما اعتبره منتقدون "تنازلًا غير مباشر" عن مناطق محتملة للثروات الطبيعية.

ورغم نفي الحكومة المتكرر لهذه الاتهامات، إلا أن الجدل حول هذا الملف لم يتوقف، خاصة مع استمرار أزمة الطاقة وعودة انقطاعات الكهرباء.

 

لماذا تعاني مصر من نقص الغاز الآن؟

 

يرى خبراء أن الأزمة الحالية لا تعود فقط إلى العوامل الجيوسياسية، بل ترتبط أيضًا بعدة أسباب داخلية، أبرزها تراجع إنتاج بعض الحقول مقارنة بذروة الإنتاج في السنوات الماضية. والزيادة السريعة في الاستهلاك المحلي للكهرباء والغاز. وتراجع الاستثمارات الأجنبية في عمليات الاستكشاف والتنقيب. والأعباء المالية الكبيرة التي تواجه قطاع الطاقة.

 

هذه العوامل مجتمعة دفعت الحكومة إلى زيادة الاعتماد على الواردات، بما في ذلك الغاز القادم من إسرائيل.

 

هل الحرب في المنطقة مجرد "شماعة"؟

 

مع اندلاع التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، بدأت الحكومة المصرية تتحدث عن تأثيرات الحرب على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد.

غير أن بعض المراقبين يرون أن الأزمة الحالية **ليست وليدة الحرب فقط**، بل هي نتيجة تراكمات اقتصادية وإدارية امتدت لسنوات، معتبرين أن الحرب قد تُستخدم كعامل تفسيري للأزمة أمام الرأي العام.

وفي هذا السياق، يخشى كثيرون من أن تشهد البلاد موجة جديدة من تخفيف الأحمال أو انقطاعات الكهرباء خلال فصل الصيف، خاصة مع ارتفاع الطلب على الطاقة.

 

هل تتكرر أزمة الكهرباء في صيف 2026؟

حتى الآن، لا تعلن الحكومة رسميًا عن العودة إلى برنامج تخفيف الأحمال، لكنها بدأت بالفعل إجراءات تقشف في استهلاك الكهرباء، وهو ما يراه مراقبون **مؤشرًا مبكرًا على احتمال تفاقم الأزمة*

وفي ظل الاعتماد المتزايد على الغاز المستورد، تبقى منظومة الكهرباء في مصر عرضة للتقلبات الإقليمية، خصوصًا إذا استمرت التوترات في الشرق الأوسط أو تأثرت إمدادات الطاقة في المنطقة.

وبينما تؤكد الحكومة أن الاحتياطيات المالية والسلعية في مستويات آمنة، فإن الشارع المصري يترقب ما إذا كانت الأيام المقبلة ستشهد عودة فعلية لانقطاعات الكهرباء، أم أن الإجراءات الحالية ستظل في إطار الترشيد فقط.