تشهد شركة «دايس» للملابس الجاهزة واحدة من أكبر أزماتها العمالية خلال السنوات الأخيرة، بعد أن دخل مئات العمال في إضراب مفتوح داخل مصنع الشركة بالخانكة، احتجاجًا على ضعف الرواتب وعدم تطبيق الحد الأدنى للأجور. الأزمة لم تتوقف عند حدود الاحتجاج، بل تطورت إلى منع عشرات العمال من دخول المصنع، وإحالة آخرين إلى التحقيق، في مشهد يعكس حجم التوتر بين الإدارة والعمال داخل واحدة من أكبر شركات الملابس في مصر والمنطقة.
بدأت الأزمة عندما نظم العمال وقفة احتجاجية للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور الذي أقرته الدولة، وتحسين ظروف العمل، وصرف الحوافز والأرباح المتأخرة. وعلى خلفية هذه الوقفة، تقدّم نحو ستين عاملًا بشكاوى رسمية إلى مديرية العمل بالقليوبية، بعد أن فوجئوا بقرار إداري يمنعهم من دخول المصنع ويمنحهم إجازة إجبارية لمدة أسبوع. كما تم تحويل ما يقرب من 240 عاملًا آخرين إلى التحقيق، وهو ما اعتبره العمال محاولة واضحة للضغط عليهم وإجبارهم على إنهاء الإضراب.
ورغم أن الشركة تُعد من أكبر كيانات صناعة الملابس الجاهزة في مصر، وتمتلك 14 مصنعًا وأكثر من 180 فرعًا للبيع، ويعمل بها ما يقرب من 12 ألف عامل، فإن العاملين يشكون منذ سنوات من تدني الرواتب، وإجبارهم على العمل الإضافي دون مقابل عادل، وغياب الحوافز، وتراجع بيئة العمل. ويؤكد العمال أن الشركة تحقق مبيعات ضخمة تتجاوز ستة مليارات جنيه سنويًا، بنسبة ربح تصل إلى 15%، أي ما يقارب مليار جنيه أرباحًا، بينما لا يحصل العمال على الحد الأدنى للأجور الذي أقرته الدولة.
https://x.com/samyatya/status/2031080562304192554
والتقط الباحث الحقوقي سامي حسن Samy Hassan بيانات منشورة إلى أن الشركة وزعت في العام الماضي 50% أسهمًا مجانية على المساهمين، كما أعلنت عن خطط للتوسع الخارجي، من بينها افتتاح فرع جديد في المغرب بتكلفة تصل إلى 25 مليون جنيه، إلى جانب شراء قطعة أرض في حلوان بمساحة تقارب 63 ألف متر لتعزيز توسعاتها المستقبلية. هذه الأرقام دفعت كثيرين للتساؤل عن سبب عجز الشركة عن رفع رواتب العمال أو تحسين أوضاعهم، رغم قدرتها الواضحة على التوسع وزيادة استثماراتها.
ورأى أن الأزمة الحالية ليست الأولى في تاريخ الشركة، فقد سبق أن شهدت دايس إضرابًا كبيرًا في عام 2020، عندما قررت الإدارة صرف نصف الرواتب فقط خلال أزمة كورونا، ما دفع العمال إلى تحرير محاضر رسمية واللجوء إلى القوى العاملة. ورغم تدخل الجهات الرسمية حينها، فإن جذور الأزمة لم تُحل بشكل كامل، لتعود اليوم بصورة أكبر وأكثر تعقيدًا.
ويشير محللون إلى أن الشركة تستفيد من اتفاقية «الكويز» التي تسمح بالتصدير إلى الولايات المتحدة دون جمارك، بشرط وجود نسبة من المكونات الإسرائيلية في الإنتاج. كما تعمل الشركة مع علامات تجارية عالمية مثل ليفايز وزارا وديكاتلون، ما يجعلها جزءًا من سلسلة توريد دولية تعتمد على العمالة المصرية منخفضة التكلفة. وفي ظل المنافسة الشرسة في سوق الملابس العالمي، لا تستطيع الشركة رفع أسعار منتجاتها للمستوردين الأجانب، فتتجه إلى تقليل تكلفة الإنتاج محليًا، وهو ما ينعكس مباشرة على العمال.
ويرى البعض أن رأس المال في هذه الحالة يفرض منطقه على حساب حقوق العمال، إذ تسعى الإدارة للحفاظ على هامش ربح مرتفع، حتى لو جاء ذلك عبر تخفيض الأجور أو زيادة ساعات العمل. وفي المقابل، يجد العمال أنفسهم في مواجهة ظروف معيشية صعبة، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، ما يجعل رواتبهم الحالية غير كافية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وفي الوقت نفسه، تواصل الشركة الإعلان عن فرص عمل جديدة برواتب تصل إلى سبعة آلاف جنيه، مع توفير تأمينات ومزايا أخرى، وهو ما أثار استغراب العمال المضربين الذين يؤكدون أنهم لا يحصلون على هذه الرواتب داخل المصانع القائمة. ويرى البعض أن هذه الإعلانات قد تكون محاولة لتحسين صورة الشركة أو جذب عمالة جديدة بدلًا من العمال المحتجين.
من جانب آخر، يشير خبراء إلى أن الدولة مطالبة بالتدخل لتحقيق توازن بين تشجيع الاستثمار الصناعي والحفاظ على حقوق العمال. فبينما تسعى الحكومة لجذب الشركات العالمية والمحلية للاستثمار في قطاع الملابس الجاهزة، فإن تجاهل حقوق العمال قد يؤدي إلى اضطرابات متكررة تؤثر على الإنتاج وعلى سمعة مصر في سلاسل التوريد الدولية.
وتبقى الأزمة مفتوحة على احتمالات متعددة، فإما أن تستجيب الشركة لمطالب العمال وتبدأ مفاوضات جدية، أو تستمر حالة الشد والجذب بما يهدد استقرار واحد من أهم قطاعات الصناعة في مصر. وفي كل الأحوال، فإن ما يجري داخل دايس يعكس واقعًا أوسع يتعلق بعلاقة العمل في مصر، وبالحاجة إلى سياسات أكثر عدالة تضمن حقوق العمال دون الإضرار بالاستثمار.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن شركة دايس شهدت خلال السنوات الأخيرة عدة تحركات احتجاجية من جانب العمال، كان أبرزها الإضراب الأخير الذي اندلع بسبب مطالب تتعلق بالأجور وتحسين ظروف العمل. وقد تزامن هذا الإضراب مع تساؤلات حول مدى تدخل الحقوقيين أو الجهات العمالية في متابعة الأزمة، خصوصًا أن الشركة تضم عددًا كبيرًا من العمال الذين يعتمدون على هذه الوظائف كمصدر دخل أساسي.
وتاريخيًا، لم يكن هذا الإضراب هو الأول داخل الشركة، إذ سبق أن شهدت دايس في عام 2020 إضرابًا واسعًا بعد إعلان الإدارة صرف نصف المرتبات فقط خلال أزمة كورونا، وهو ما دفع العمال إلى تحرير محاضر رسمية والتصعيد حتى تدخلت الجهات العمالية لحل الأزمة. هذا الإرث من الاحتجاجات يعكس حالة من التوتر المستمر بين العمال والإدارة، خاصة في ظل شكاوى متكررة تتعلق بالأجور، وساعات العمل، والجزاءات، والحقوق الأساسية داخل مواقع الإنتاج.
أما بخصوص الإضراب الأخير، فقد تناولته بالفعل بعض الجهات الحقوقية والعمالية، سواء من خلال شكاوى رسمية قُدمت لوزارة العمل أو عبر متابعات إعلامية سلطت الضوء على مطالب العمال. ورغم عدم توفر أرقام دقيقة حول عدد المشاركين، فإن المؤكد أن الإضراب شمل قطاعًا واسعًا من العاملين داخل المصنع، ما دفع الوزارة إلى النظر في الشكاوى ومحاولة التوصل إلى حلول عبر لجان التفاوض.