دراسة: العسكر يرسخون إدارة الدولة المصرية كشركة واعتبار المجتمع ملف أمني فقط!

- ‎فيتقارير

قالت ورقة بحثية لموقع “الشارع السياسي” إن “نموذج الحكم الذي تسعى السلطة السياسية إلى توطينه في مصر هو نموذج الدولة الشركة؛ حيث تحالفت الحكومة مع أصحاب رؤوس الأموال لحماية استثماراتهم في العقارات داخل القاهرة أو المدن الساحلية، كما في رأس الحكمة ورأس جميلة.

 

وعن التعامل مع المجتمع المصري نفسه، يتم اعتبارهم “ملفًا أمنيًا وفقط”، خاصةً بعد أن أصبح الإنفاق على الخدمات المقدمة للمجتمع من قبل الحكومة شبه مستحيل، إذ تلتهم الديون وفوائدها وأقساطها أي إيراد. في حين يتم التعامل مع جموع السكان باعتبارهم ملفًا أمنيًا؛ إذ تُطلق سلطات أجهزة الأمن من كل قيد، وتُستبعد كل القيود التي يمكن أن تحول دون ذلك.

 

انهيار العقد الاجتماعي

 

الورقة، التي جاءت بعنوان “علاقة الدولة بالمجتمع في مصر بين نموذجي الشركة والمستعمرة”، أشارت إلى أنه مذ ثورة يناير تحول شكل العلاقة بين السلطة والمجتمع الذي يسعى النظام إلى تحقيقها في مصر، فمنذ انهيار العقد الاجتماعي الحاكم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، الذي كان سائدًا منذ خمسينات القرن العشرين وحتى نهاية عهد الرئيس الأسبق مبارك، وكان قائمًا -بشكلٍ مختصر- على التزام الطاعة والعزوف عن المجال السياسي مقابل حد أدنى من الحياة المستقرة والأسعار التي في المتناول، ومع اندلاع ثورة يناير وما تلاها، لم يتم استعادة العقد الاجتماعي الذي كان سائدًا، ولم يُولد عقد اجتماعي جديد. ومن هنا يكتسب التساؤل عن العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع في ظل حكم السيسي شرعيته.

 

الدولة المعسكر

 

وقالت الورقة، التي استندت إلى سلسلة مقالات للكاتب محمد نعيم، إن الدولة تتعامل بـ”منطق المعسكر”، وفيه يختلف عن التعامل مع المجتمع بمنطق السوق. في الأخير، يتم تقييم السكان وفق قيمتهم السوقية؛ فيُدمج ذوو القيمة في النظام الربحي القائم، بينما يتم التخلص من الفائض السكاني قليل القيمة من الناحية الاقتصادية، بالتعامل معه باعتباره تهديدًا أمنيًا.

 

وعن فارق آخر، قالت الورقة إن “المعسكر، على الرغم من التكدير والإهانة والقسوة، وتبني قواعد “الحذر واجب، وتعدد الآراء بلبلة، والكذب دهاء، والسيئة تعُم والحسنة تخص، وليس كل شيء يُعرف”، تبقى السلطة التي تدير المعسكر مسؤولة عمن فيه، معنية ببقائهم للاحتفاظ بسلطتها عليهم.

 

واعتبرت ضمن فارق ثالث أن “نموذج المعسكر استبدادي، عنيف وقمعي، لكنه يضمن الحد الأدنى من الحياة لرعاياه، على الرغم من الهرمية الصارمة والفروق الطبقية الصارخة”.

وأضافت أنه “يبقى نموذج المعسكر يتشابه مع معسكر الاعتقال في كونه يتعامل مع السكان باعتبارهم مجرد مادة بيولوجية يتم تشكيلها بما يحقق مصالح السلطة، إذ هو فضاء محكوم بالأحكام العرفية وحالة الاستثناء، حيث يتم تعليق القانون، ويُعامل السكان باعتبارهم حياة عارية، يتم التعامل مع مجموعة كاملة من السكان المدنيين من خلال تمديد حالة الاستثناء، وهو يشكّل أيضًا أقصى درجات السياسة الحيوية التي عرفناها على الإطلاق، حيّزًا لا تواجه فيه السلطة إلا الحياة البيولوجية مجردة”.

 

تجارب الدولة الشركة

 

ونقلت الورقة عن الكاتب نعيم ومقالاته الإشارة إلى بعض التجارب التي ظهرت فيها نماذج حكم شبيهة بالشركة، ومنها النموذج الصيني في القرن الـ 19 ولمدة 70 سنة، عندما سيطرت على شواطئها قوى استعمارية أوروبية وأمريكية. كانت تلك القوى معنية فقط بالشواطئ لحماية تجارتها بالتعاون مع السلطات الصينية، التي كانت لها السلطة الصورية على هذه الموانئ، التي تديرها قوى عمل محلية وأجنبية بالتشارك، دون أن تُورط القوى الاستعمارية نفسها بمسؤولية ملايين الصينيين، الذين تحكمهم السلطات المحلية بالحديد والنار.

 

وأوضحت الورقة أن هذا النموذج يقوم على حماية الاستثمارات والحفاظ على استمرار السوق وانتعاشه، دون تحمل أية مسؤولية اجتماعية أو تنموية تجاه المجتمع، الذي يتحول إلى ملف أمني موكول إلى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، ويصبح القمع والإرهاب والتهجير هي آليات التعامل معه.

 

نموذج مستورد من الخليج

 

ونبهت الورقة إلى أن نموذج الاجتماع السياسي الخليجي، الذي يشبه الشركة، يعتمد على ثلاث مكونات رئيسية تمثل الهيكل الرئيسي للمجتمع هناك:

 

  1. المواطنون: وهم، قياسًا إلى إجمالي السكان، أقلية محظوظة.
  2. العمالة الوافدة: وهي غالبية السكان في هذه المجتمعات، لكنها لا تتمتع بأية حقوق سياسية أو تنظيمية أو نقابية، رغم أنها تنتج القيمة وتدفع عجلة الإنتاج.
  3. نخبة الحكم أو الأسر الحاكمة.

واعتبرت الورقة أن نظرة الممالك الخليجية إلى “إسرائيل” نظرة إكبار وإعجاب لما تتمتع به الأخيرة من قدرة متميزة على ضبط السكان الفلسطينيين وإبقائهم تحت السيطرة، وتُحاول هذه الممالك الاستفادة من القدرات الإسرائيلية على الضبط عبر استيرادها وتطبيقها على جحافل العمالة الوافدة.

 

وأوضحت أن “الدولة في الممالك الصغيرة للخليج العربي هي أقرب شبهًا للشركة منها للدولة، إذ السلطة مجلس إدارة لهذه الشركة، والمواطنون هم حملة الأسهم، أما غالبية المغتربين فهي العمالة الرخيصة المحرومة من أية حقوق مهما طالت مدة خدمتها، والدولة هنا توزع فائض الربح على الأقلية من حاملي الأسهم، وتحرص على إحكام السيطرة الأمنية على العمالة الوافدة”.

 

وأضافت أن علاقة السلطة في الخليج بالمجتمع بشقيه، المواطنين والعمالة الوافدة، تقوم على مسارين:

  1. المسار السياسي.
  2. مسار توزيع عوائد ريع المواد الخام على المواطنين وبعض الفتات على العمالة الوافدة.

 

مع التأكيد أن هذا النموذج ينطبق بشكل أساسي على الممالك الخليجية الصغيرة، والدولة الشركة في علاقتها بالعمالة تشبه إلى حد بعيد علاقة “إسرائيل” بمواطنيها اليهود وبالفلسطينيين.