على الرغم من إغلاق التحقيق مع عشرات القضاة الذين اشتكوا تدهور أوضاعهم المالية، وتهديدهم بالوعيد في حال الرجوع إلى الشكوى، إلا أن الأزمة القضائية ما زالت مستمرة، حيث بات مستقبل 488 قاضيًا تحت سيف السلطة التنفيذية وإشراف إدارة التفتيش القضائي بوزارة العدل.
واكتفت إدارة التفتيش القضائي في وزارة العدل بإجراء تحقيق شفهي مع 48 قاضيًا تمت إحالتهم للتحقيق بعد نشرهم تدوينات على مجموعات القضاة على شبكات التواصل الاجتماعي يشكون فيها من تردي أوضاعهم المالية. تضمنت شكاوى هؤلاء القضاة عدم وجود مساواة في الامتيازات المالية بين الهيئات القضائية الثلاث: “العادي”، “الإداري”، و”الدستوري”، رغم وجود قرار من المجلس الأعلى للهيئات القضائية، برئاسة السيسي، بالمساواة بين الهيئات الثلاث في الرواتب والحقوق المالية. واعتبروا أن إحالتهم للتحقيق بسبب هذه الشكوى تمثل مذبحة جديدة للقضاة.
واكتفت إدارة التفتيش القضائي بالتحقيق الشفهي مع القضاة المذكورين دون فتح تحقيق رسمي، إذ جرى تهديدهم بمواجهة عواقب وخيمة في حال تكرار الأمر، من بينها الإحالة إلى مجلس الصلاحية ومواجهة العزل من القضاء. وتم تحذيرهم من نشر هذه المشكلات على شبكات التواصل الاجتماعي. كما أبلغت إدارة التفتيش القضائي القضاة المحالين للتحقيق، الذين تمت إعادتهم لعملهم فورًا بعد قرار وقفهم، بأنه لا يليق مناقشة أمور القضاء في مصر بشكل عام على صفحات التواصل الاجتماعي، وأن هناك قنوات معينة ومحددة لتقديم الشكاوى من الأوضاع المالية والامتيازات، بما يليق بمقام القضاء.
وأظهر اكتفاء إدارة التفتيش القضائي بالتحقيق الشفهي ومطالبة القضاة المحالين بعدم تكرار الأمر، رغبة رسمية من جهات أمنية ووزير العدل في احتواء الأمر وعدم تحويله إلى قضية إعلامية، بل وإعادة القضاة لعملهم بشكل فوري لقطع الطريق على استغلالها من قِبَل قوى المعارضة، والترويج لوجود حالة من التمرد في صفوف القضاة في هذا التوقيت الحساس.
وذكرت مصادر قضائية أن تعليمات رئاسية صدرت بضرورة إغلاق هذا الملف وتسريع تنفيذ قرار المجلس الأعلى للهيئات القضائية بضرورة المساواة بين الهيئات القضائية المختلفة، وإصلاح الأوضاع الحالية التي تُظهر وجود امتيازات مالية في هيئات لا يتمتع بها قضاة يعملون في هيئات قضائية أخرى. كما تضمنت التعليمات الرئاسية إعادة القضاة لعملهم فورًا وعدم التصعيد معهم، حتى لا يبدو النظام وكأنه متورط في ممارسات تمييزية بين قضاته، ولمنع أي اتهامات بالاعتداء على استقلال القضاء.
ووفق مصادر قضائية، فإن استمرار تردي الأوضاع المالية للقضاة يهدد استقلال القضاء ويفتح الباب أمام انحراف بعض القضاة بسلطتهم وتلقي رشاوى مالية للحفاظ على مستوى معيشتهم، وهو ما تورط فيه بعض القضاة خلال الفترة الماضية.
يُشار إلى أنه منذ انقلاب السيسي على أول تجربة ديمقراطية في مصر عام 2013، أضعف السيسي استقلال القضاء وجعله خاضعًا للسلطة التنفيذية، فارضًا اتجاهاته ومسيسًا الأحكام القضائية نكايةً في خصومه ومعارضيه، وهو ما دفع نحو إصدار المزيد من الأحكام المسيسة التي تجاوزت حدود القانون والإنسانية.