في الثاني عشر من فبراير 1949، كانت يد الغدر قد وصلت الإمام الشهيد حسن البنا الذي أسس جماعة الإخوان المسلمين في العام 1928، فاغتالته وأنهت حياته ولكنها رفعت في العالمين ذكره، يقول روبير جاكسون "البنا كان تطبيقًا صادقًا للمبادئ التي نادى بها، وقد منحه الإسلام كما كان يفهمه ويدعو إليه حلة متألقة، قوية الأثر في النفوس، لم تتح لزعماء السياسة، ولا لرجال الدين".

ومنذ انقلاب السفاح السيسي في 3 يوليو 2013 شنت عصابة الانقلاب المدعومة من أكثر من جهة أبرزها الكيان الصهيوني حرباً غير مسبوقة على الإخوان المسلمين، ورغم سجن الأعداد الغفيرة من الأعضاء والاغتيالات والتعذيب إلا أن هدف استئصال الجماعة يبدو بعيد المنال.

وكان للإخوان المسلمين قبل انقلاب السفاح السيسي بعقود جهد كبير في حرب العام 1948 دفاعا عن فلسطين، وعلى أكثر من جبهة؛ من مصر والأردن وسورية، كما كان للجماعة فضل عظيم في التوعية وحفظ الهوية الإسلامية، والإسهام الكبير في بث روح الحرية والاستقلال؛ إذ كان الانتداب البريطاني بوقعه الهادئ يمكن للغزو الفكري في مصر بالذات، ويهيئ الأرضية الكاملة لإقامة الكيان الصهيوني وحمايته.

 

سوف نبقى هنا

ورغم جهود عصابة الانقلاب العسكري في محاربة الإخوان فإن الجماعة حاضرة باستمرار في الخطاب الإعلامي للعسكر، وحاضرة كذلك في خطاب العصابة السياسي، إذ لا يتوقف السفاح السيسي عن مخاطبة المصريين بخصوص فترة حكم الإخوان وما تلاها ومحاولة كيل الاتهامات لتلك الفترة التي شهدت الثورة والاستحقاقات التي تبعتها، والتي لم يشهد المصريون في مثل حريتها أو ديمقراطيتها،  ففي الاجتماعات الأولى للمجلس العسكري مع ائتلاف شباب الثورة، وهم مجموعة شباب تم اختيارهم بعناية من الذين دعوا للتظاهر في يناير 2011، طالبهم رئيس المخابرات العسكرية حينها السفاح السيسي بـ"تنظيم أنفسهم لئلا يسرق الإخوان الثورة".

تولى الرئيس الشهيد محمد مرسي الرئاسة منتصف 2012، وأُخبر أنه يصعب تأمينه أثناء جنازة ضحايا القتلى من الجنود برفح المصرية أوائل أغسطس 2012، وتم التعدي على رئيس الوزراء هشام قنديل بالضرب أثناء الجنازة، ليأتي رد الشهيد مرسي بعدها بإقالة طنطاوي وعنان وبعض كبار قادة المجلس العسكري، وإلغاء الإعلان الدستوري الذي صدر قبيل إعلان نتيجة انتخابات الرئاسة.

وذكر مصدر عسكري سابق، كان في الخدمة حينها، أن الجيش كان في حالة استنفار "دون وجود مناسبة" قبيل إقالة طنطاوي وعنان، ويبدو أن قيادات الجيش علمت بترتيبات الرئاسة، وكان الضباط في ثكناتهم بانتظار أوامر غير معلومة لهم، لكن حالة الطوارئ انتهت بعد 48 ساعة دون توضيح لأسباب الاستدعاء أو الصرف.

ثم تعاقب التحضير للانقلاب وربما كانت أحداث قصر الرئاسة الاتحادية نهاية 2012 أبرز رسائل عصابة الانقلاب العسكري للجماعة، عندما تخلت مع وزارة الداخلية عن تأمين أهم مبنى سيادي، كذلك تخلت وزارة الداخلية عن تأمين مقار حزب الحرية والعدالة ومقار جماعة الإخوان، إلى أن وصل الانقلاب لحظة ميلاده الشيطانية في صبيحة 3 يوليو 2013.

ما يفرق جماعة الإخوان المسلمين عن الغرب أكثر مما يجمعهما، فرفض الجماعة لقيام كيان العدو الصهيوني وعلاقتها القوية مع حركة المقاومة الاسلامية حماس، فضلا عن إدراجها ضمن دائرة التنظيمات الخطرة على المصالح الغربية في قائمة أكثر من بلد غربي قبل ثورة 25 يناير، ساهم في خلق حالة من عدم الارتياح الغربي والصهيوني والخليجي عند وصول الجماعة إلى السلطة في انتخابات حرة ونزيهة.

لكن هذا الشعور لم يتحول إلى مواقف صريحة، بل بقي الموقف الغربي مرنا تجاه الإخوان، وأشارت تقارير إعلامية إلى أن واشنطن فضلت صعود حركات إسلامية سياسية "معتدلة" لأنها تمثل بديلا عن "الجماعات المتطرفة".

إلا أن الموقف المتردد للغرب في الغدر بالرئيس الشهيد محمد مرسي أظهر التخوف الغربي من جماعة الإخوان في مصر، وظهر التردد الغربي في التباين بين الموقفين الألماني والفرنسي، ففي حين اعتبر الأول أن الانقلاب على الرئيس الشهيد مرسي يمثل فشلا كبيرا للديمقراطية، استبعد الثاني أي عبارة تتضمن قلقا أو تنديدا بما جرى، مكتفيا بالتعبير عن الأمل في انتخابات ناجحة!

 

العدو الصهيوني

وتأسست جماعة الإخوان المسلمين في مصر في العشرينات من القرن العشرين، وحارب أعضاؤها الاحتلال البريطاني وفي عدة حروب ضد كيان العدو الصهيوني، وعلى الرغم من مصرية جماعة الإخوان وعالمية دعوتها، فإن خطاب الإعلام العسكري بين عامي 2012 و2013 اعتبرها جماعة عميلة وخائنة للوطن!

حتى أن الكاتب والاعلامي المؤيد للعسكر ابراهيم عيسى اعتبر أن انتخاب الإخوان يشكل "احتلالا أجنبيا" لمصر، وانتشرت أكاذيب إعلام العسكر حول عدم ولاء الإخوان لمصر خلال رئاسة الشهيد مرسي، وكرست المقالات والصحف الإخبارية والبرامج التليفزيونية اهتماما كبيرا لعلاقات الرئيس مرسي المزعومة بـ"إسرائيل" وحزب الله وحماس وقطر وإيران.

وبجانب ذلك أُنتجت قصص إخبارية خرافية في إعلام العسكر عن خطط الرئيس الشهيد مرسي لبيع أهرامات الجيزة وقناة السويس والتخلي عن شبه جزيرة سيناء للفلسطينيين!

وانتقدت وسائل الإعلام الانقلابية والشخصيات السياسية البارزة في الانقلاب استخدام الشهيد مرسي عبارة "أهلي وعشيرتي"، التي جادلوا بأنها إشارة خفية إلى جماعة الإخوان المسلمين ودلالة على أن مرسي كان يعتزم استبعاد المصريين من غير الإخوان من برنامجه السياسي!

ولكن فحصا لخطابات الرئيس الشهيد مرسي الرئاسية يكشف أن مرسي لم يستخدم عبارة "أهلي وعشيرتي" كمرجع حصري لجماعة الإخوان المسلمين ولو لمرة واحدة، لكن خطبه كانت تمنتج وتقص وتقسم على برامج فضائيات الانقلاب لجعلها تظهر كما لو كانت تحمل هذا المعنى.

واتخذت وسائل إعلام الانقلاب أول خطاب رسمي للرئيس الشهيد مرسي باعتباره أحد أبرز الأمثلة على نيات مرسي الإقصائية المزعومة، فمثلا، قامت شبكة التلفزيون البارزة "OnTv" بتحرير مقاطع من الخطاب لجعل الأمر يبدو كما لو أن الشهيد مرسي كان يستخدم "أهلي وعشيرتي" للحديث عن أعضاء الإخوان فقط واستبعاد بقية المجتمع المصري.

وبالعودة إلى خطاب الرئيس الشهيد مرسي، فإن إلقاء نظرة عليه بأكمله توضح أن الرئيس الشهيد مرسي ضم جميع المصريين ضمن "أهله" و"عشيرته"، حيث قال: "شعب مصر العظيم، أيها الفرحون اليوم والمحتفلون بعيد الديمقراطية والواقفون في كل ميادين مصر… أيها الأحباء، أهلي وعشيرتي، إخواني، أبنائي وبناتي، أنتم الذين تتطلعون إلى المستقبل، وأنتم الذين ترغبون بالخير والتقدم والنمو والاستقرار والرخاء لأمتنا المصرية… جميع أحبائي".

ثم قال لاحقا في الخطاب: "أقول للجميع، لجميع شرائح المجتمع المصري، أهلي وعشيرتي، أقول لجميع المصريين في هذا اليوم العظيم، بإرادتكم واختياركم… أنا رئيس لكل المصريين، بغض النظر عن مكان وجودهم، داخل مصر وخارج مصر، في جميع المحافظات".

وبعد.. ورغم سواد الواقع الانقلابي القاتم وتداعي الأكلة حول القصعة المصرية، يتذكر المراقبون مقولة الامام الشهيد حسن البنا رحمه الله :"لا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق المؤمنين.. وحقائق اليوم أحلام الأمس.. وأحلام اليوم حقائق الغد.. وما زالت عناصر السلام قوية عظيمه في نفوس شعوبكم المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد".

Facebook Comments