نشر موقع مدى مصر تقريرا سلط خلاله الضوء على الانتهاكات التي يتعرض لها النشطاء والسياسيون المعتقلون في سجون السيسي، بداية من ظروف الاعتقال غير الآدمية، ومرورا بمنع الزيارات والحرمان من الأدوية والأغطية في هذا البرد القارس والتجريد من المتعلقات ومنع التريض، بالإضافة إلى الإهمال الطبي المتعمد وانتهاء بابتزاز المعتقلين ومقايضتهم بالتنازل عن الجنسية المصرية مقابل الإفراج عنهم.

وبحسب التقرير الذي ترجمته "الحرية والعدالة"، في 8 يناير، وصل الناشط المصري الفلسطيني رامي شعث إلى باريس بعد أن أفرجت سلطات الانقلاب عنه من السجن بعد أكثر من 900 يوم من الاحتجاز الاحتياطي، وخرج من مطار شارل ديجول مع زوجته سيلين ليبرون شعث وسط حشد من المؤيدين، إلا أن شروط الإفراج عنه لم تكن سببا للاحتفال ، فقد أُجبر شعث على التخلي عن جنسيته المصرية مقابل حريته.

وقالت عائلة شعث في بيان أعلنت فيه الإفراج عنه "لا ينبغي لأحد أن يضطر إلى الاختيار بين حريته وجنسيته، لقد ولد رامي مصريا، وتربى في مصر، وكانت مصر دوما وستظل وطنه؛ ولا شك أن التخلي القسري عن الجنسية تحت الإكراه من شأنه أن يغير هذا الواقع".

وطوال عامين ونصف العام من سجن شعث، قادت زوجته سيلين لبرون شعث، وهي فرنسية الجنسية تم ترحيلها من مصر عند القبض عليه، حملة شعبية طويلة الأمد لإطلاق سراحه، وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون طلب بشكل مباشر الإفراج عن شعث خلال مؤتمر صحافي في 2020 مع عبد الفتاح السيسي بعد محادثات ثنائية في قصر الإليزيه في باريس.

وأضاف التقرير أن جهاز الأمن الوطني قد تواصل خلال الأشهر الستة الماضية مع عائلة شعث، لبدء عملية التخلي عن جنسيته والترتيب لترحيله، حسب ما أفاد به مصدر مطلع على نقاشات دارت حول الإفراج عنه، تحدث إلى "مدى مصر" شريطة عدم الكشف عن هويته، وقد بلغت هذه الإجراءات ذروتها في الأول من يناير، عندما قدم محامي شعث وثيقة رسمية إلى المحكمة الإدارية العليا يقول فيها إنه "سيتنازل عن جنسيته المصرية، كما أضاف المصدر".

وقالت العائلة إنه "تم إطلاق سراح شعث في 6 يناير، وتم تسليمه إلى ممثل السلطة الفلسطينية في مطار القاهرة الدولي، حيث استقل طائرة متجهة إلى العاصمة الأردنية عمان، ثم سافر إلى باريس".

وأوضح التقرير أن هذه الممارسة المثيرة للجدل تستند إلى مرسوم  يعرف باسم القانون 140 ، أصدره عبد الفتاح السيسي في نوفمبر 2014، يسمح بإعادة السجناء الأجانب إلى بلدانهم، حسب تقدير الرئيس، لقضاء أوقاتهم أو إعادة محاكمتهم هناك.

وصدر القرار بعد خمسة أشهر من الحكم على ثلاثة صحافيين في قناة الجزيرة، هم الأسترالي بيتر جريست والمصري الكندي محمد فهمي والمصري باهر محمد بالسجن بين سبع وعشر سنوات بتهم تتعلق بالإرهاب في قضية أثارت موجة تنديد دولية، وانتقدت منظمات حقوق الإنسان والحكومات الغربية والأمم المتحدة، ووفقا للمحامي نجاد البرعي، الذي مثل فهمي في القضية، صدر القانون 140 للسماح بالإفراج عن جريست وترحيله إلى بلده الأصلي أستراليا، وبعد أقل من ثلاثة أشهر من إصدار المرسوم، تم ترحيل جريست بالفعل.

وأشار التقرير إلى أن فهمي تخلى عن جنسيته المصرية، في ذلك الوقت،  أملا في ترحيله إلى كندا، وقال فهمي لموقع مدى مصر في ذلك الوقت إن "كبار المسؤولين زاروه في السجن وقالوا له إن التخلي عن الجنسية المصرية هو السبيل الوحيد للخروج"، ورفض فهمي في البداية، لكنه قال إنه شعر بالضغط عليه ويريد الخروج من السجن، ولم تنجح هذه الخطوة، ولم يفرج عنه سوى مع باهر محمد، بعد أن حصل هؤلاء على عفو رئاسي في سبتمبر 2015 عقب إعادة المحاكمة، واستعاد فهمي جنسيته المصرية منذ ذلك الحين.

وقبل أشهر، في مايو 2015، أجبر محمد سلطان، وهو ناشط مصري أمريكي سجن لأكثر من 640 يوما، على التخلي عن جنسيته من أجل إطلاق سراحه، وترحيله إلى الولايات المتحدة بعد مناشدات مباشرة من إدارة أوباما.

وتضمنت قضية سلطان تحولا إضافيا، وخلال زيارة لكابيتول هيل في يوليو 2021، أصر مدير المخابرات المصرية عباس كامل للمسؤولين الأميركيين على أن واشنطن وعدت في 2015 بأنه إذا أطلقت مصر سراح سلطان فانه سيقضي بقية عقوبته في السجن الأميركي، طبقا لصحيفة "بوليتيكو"، كما سلم كامل موظفي الكونجرس، ما بدا أنه اتفاق موقع بين مسؤولين مصريين وأمريكيين لوضع مثل هذا الترتيب.

وقالت مصادر لصحيفة بوليتيكو إن "موظفا في وزارة الخارجية وقع على الوثيقة عندما تم الضغط عليه في المطار في اللحظة الأخيرة، في الوقت الذي كان المسؤولون الأمريكيون يحاولون فيه إخراج سلطان من البلاد، وأن الوثيقة غير قابلة للتنفيذ قانونا، وفي كل الأحوال، يظل إرغام المصريين على التخلي عن جنسيتهم من أجل ترحيلهم يشكل ممارسة مثيرة للجدال، بل وربما غير قانونية".

ويقول المحامي جمال عيد من الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان إن "القانون 140 غير دستوري، لأنه يخلق ميزة لغير المصريين، كانت الفكرة الترغيب لدى حكومات أجنبية وتلميع صورة النظام، لكن المرسوم يخالف مبدأ تساوي الجميع أمام القانون، وهو مبدأ فوق دستوري،  وأنه لا يتغاضى عن استمرار سجن المعارضين، وإنما يقول إنه ينبغي إطلاق سراحهم جميعا، وليس فقط الأجانب منهم".

في حين أن المرسوم لا يجبر أي شخص على التخلي عن جنسيته، فإن الاختيار بين الجنسية والحرية ليس خيارا حقيقيا، أما حسين بومي، الباحث في الشؤون المصرية بمنظمة العفو الدولية، فقال لموقع مدى مصر إنه "من الأدق القول إن شعث وسلطان أُجبرا على التنازل عن جنسيتهما المصرية، التي يقول إنها غير دستورية".

وأضاف، أن هذه الممارسة التي نشهدها الآن في مصر، والمتمثلة في المتاجرة بالجنسية من أجل الحرية، مخالفة للدستور ولقانون الجنسية، كما أنها مخالفة صريحة لأحكام القانون الدولي بشأن إسقاط الجنسية عن شخص ما، فهو يلتف على أحكام القانون الذي ينظم مثل هذا الإجراء".

وينص قانون الجنسية لعام 1975 على عدد من الشروط التي يجب توافرها قبل أن تتمكن الدولة من إسقاط الجنسية عن المواطن المصري، ومع ذلك، لا ينطبق هذا القانون في قضية شعث أو سلطان، لأنهما قد تنازلا من الناحية الفنية عن جنسيتهما بأنفسهما، غير أن سلطان وشعث يؤكدان أنه ليس لديهما خيار في هذا الأمر.

وعقب إطلاق سراح شعث، غرد سلطان قائلا "إنْ يكون لك الخيار بين حريتك وجنسيتك هو أمر سهل، فالحرية تأتي دائما وإلى الأبد أولا، وهذا لا ينزع من انتمائك لبلدك لأن هذا في الصميم، أما عن النظام الذي يشترط التمتع بحقوق المواطنة الأساسية الخاصة بك، ألا وهي الحرية والحياة، بمجرد إسقاط جنسيتك، فهو نظام يعزز فلسفته القمعية، فالمواطنة تعني بالضرورة عدم الحرية".

 

https://www.madamasr.com/en/2022/01/10/feature/politics/in-egypt-some-are-forced-to-trade-citizenship-for-freedom/

Facebook Comments