في تلميح لما حدث مع حزب العدالة والتنمية المغربي، باعتباره حزبا ذا صبغة إسلامية، أشار الدكتور محسن محمد صالح مدير مركز الزيتونة للدراسات إلى أنه رغم الفوائد التي حصل عليها الإسلاميون من خلال المشاركة السياسية، كالحريات، وخبرات العمل السياسي والقيادي؛ إلا أن التقييم لجدوى المشاركة في ظل الأنظمة يتطلب، "وضع مشروع إستراتيجي نهضوي “أمتي” في سياق تكتيكي وظيفي، لذلك فمن المهم وضع عدد من المحددات والأسئلة الحرجة لضبط المسيرة أبرزها:

– المحافظة على الهوية، والروح الرسالية والإصلاحية ووضوح البوصلة.

– توفر رؤية ناضجة لتقدير المصلحة، ولإدارة المرحلة وما تتطلبها من مشاريع تنموية وتنمية خبرات وبناء كوادر ورموز.

– استمرار التلاحم مع القواعد المؤيدة للمشروع، وتحسس نبض الجماهير ومعاناتهم، واستمرار التعبير عنها، والمحافظة على المصداقية دائما.

– وضع قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، في إطارها الشرعي والسياسي والإستراتيجي الصحيح، وإنزالها على فقه الواقع.

– القدرة على توظيف المشاركة بحيث تصب في خدمة المشروع الإسلامي، لا أن يجد أصحاب المشروع أنفسهم في خدمة النظام، وفي استمرار منظومته الفاسدة والمستبدة؛ مع إدراكنا أن هناك قدرا من تقاطع المصلحة المرحلي المسكوت عنه بين الطرفين.

   مع ملاحظة تبادل التعامل التكتيكي للنظام بتعامل تكتيكي مناسب ومتناسب.

– القدرة على تحقيق منجزات فعلية على الأرض، تشعر بها الجماهير والقواعد الانتخابية.

– الانحياز للأمة وقضاياها الأساسية، وعدم المساومة على ثوابتها مهما كانت الأسباب.

– ضبط السلوك القيادي ووضع نظم ومعايير، تمنع المشاركين من الانزلاق في بهرجات السلطة ومفاتنها.

مكامن القلق
وفي مقال له بعنوان "الإسلاميون والعمل السياسي تحت سقف الأنظمة " نشره في "عربي 21" أشار مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات إلى أن "سعي الحركات الإسلامية في العالم العربي لتطبيق نموذجها في الإصلاح والتغيير وصولا لتحقيق النموذج الإسلامي، من خلال الأنظمة السياسية القائمة، وتحت سقوفها، يواجه مأزقا حقيقيا بعد فشل معظم أو كل تجاربها على مدى العقود الماضية".
وأوضح أن "مكامن المشكل هو أن الأنظمة السياسية عندما تفتح المجال للإسلاميين للعمل السياسي، غالبا ما تكون مضطرة لفتحه لأسباب تكتيكية، ولحالة تقاطع مصلحي مؤقت وتجعله محكوما بشروطها، حيث تُبقي بيدها المفاتيح الحقيقية للتحكم والسيطرة وصناعة القرار والنفوذ، وخصوصا الجيش والأمن؛ وهي تفسح المجال أو تُضَيّقه أو تغلقه في ضوء حساباتها واحتياجاتها، كالتعامل مع حالة شعبية ثائرة، أو تجاوز مأزق اقتصادي خانق، أو التعامل مع التحديات والمخاطر الخارجية. كما أن حجم التيار الإسلامي وشعبيته وقوته يفرض جانبا من حسابات النظام".
ودعا إلى أن يكون "تعامل الإسلاميين مع هذه الحالة التكتيكية باعتبارها خيارهم الإستراتيجي وأداتهم الأساسية إن لم تكن الوحيدة لتحقيق نموذجهم الإسلامي، يصبح إشكالية حقيقية، إذ يتحولون إلى ترسٍ في ماكينة النظام، ويتم استنزافهم شعبيا؛ في الوقت الذي يدفعون فيه أثمان “إكراهات السياسة” و”ضرورات المرحلة” فيضطرون للسكوت عن العديد من سوءات النظام ومفاسده، وعلى تعطيل جانب كبير من برنامجهم الإصلاحي، وعلى الصبر على تزوير الانتخابات بدرجة أو بأخرى، وعلى القسمة الضيزى للمواقع القيادية إن حصلت مشاركة وزارية، ويتحولون إلى جزء من ديكور النظام أو هامش من هوامشه. وبالتالي، يجدون أن بوصلتهم الإصلاحية قد تاهت، وأنهم دخلوا في حالة لا نهائية من الدوران داخل الإطار الذي حدده النظام، بينما يتعرضون هُم ونموذجهم الإسلامي للاستهلاك والتشويه والإفشال".
وحذر من أن "الدوران مع النظام يعني أن يتم استهلاكهم وتُعصر برتقالتهم ويَنفَضُّ عنهم الناس محبطين مخذولين، وتنتفي الحاجة التكتيكية لهم، يَفرض عليهم النظام شروطه الجديدة، أو يتخلى عنهم وتكون النتيجة إطالة عمر النظام الفاسد، وتجميل صورته الداخلية والخارجية، واجتياز النظام أزمته أو ظرفه الحرج".


امتلاك التغيير

وأضاف الأكاديمي محسن صالح في مقاله أنه "عندما يكون النظام السياسي مُصْمتا ومغلقا على سلطة حاكمة عائلية، عسكرية، طائفية، نفوذ خارجي، أو تأخذ طابعا هو في أساس تكوينه ودولته العميقة، يتخذ مسارا ويتبنى منظومة لا تسمح للإسلاميين، بالتعبير الحر عن إرادة الجماهير، ولا بالاستفادة من صندوق الاقتراع (الانتخابات الحرة النزيهة) في تحقيق برامجهم على الأرض، ولا في امتلاك القدرة على التغيير في منظومة الدولة وفي مفاتيح السيطرة والتحكم".
وأضاف أنه "في الوقت الذي يحدد له النظام المناطق التي يمكنه أن يلعب فيها؛ فعند ذلك على الإسلاميين أن يدركوا أن مشروعهم الحضاري النهضوي غير قابل للتنفيذ؛ وأن أعمالهم ستكون تحت سقف النظام ووفق شروطه، وأنها مرهونة بتقاطع المصالح بين الطرفين؛ وأنهم قد يتحولون إلى مجرد فقاعة في منظومة تستهلكهم وتقطع الطريق عليهم؛ وبالتالي قد يفقدون الهدف الذي نشأوا من أجله".

وضوح رؤية

ولفت إلى أنه "ليس ثمة قاعدة واحدة تجاه المشاركة من عدمها، غير أن وضوح الرؤية ووضوح البرنامج الإستراتيجي، ووجود القيادة الرسالية الواعية والكاريزمية، وحجم القاعدة الشعبية، وإدراك طبيعة النظام وشروط اللعبة، والفرص المتاحة، والمعرفة الدقيقة بالأوزان وقوى النفوذ الداخلية والخارجية، وإدراك طبيعة المرحلة وما يناسبها؛ بالإضافة إلى ما أشرنا إليه في المحددات والأسئلة الحرجة أعلاه، تسهم في اتخاذ القرار الصحيح".
ونبه إلى أنه بشكل عام، تحكم المنظومات السياسية قاعدة “ليس هناك صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، وإنما مصالح دائمة” أما المشاريع الإسلامية الحضارية النهضوية فلا تملك إلا تكون كبيرة بحجم تطلعاتها. وبالرغم من ضرورات التعامل الواقعي مع الدولة الحديثة والكيانات القُطرية، ومراعاة المرحلية؛ فإن الدخول في هذه المعمعة لا ينبغي أن يتسبب في تقزيمها ولا في انغلاقها محليا، ولا في تفريغها من محتواها، ولا في ضياع بوصلتها، وبالتالي تخسر ذاتها وسبب وجودها.
 

Facebook Comments