في تركيا، جاء العقاب أخيرا بعد 24 عاما؛ علي حكم جنرالات انقلاب 1997م، على نجم الدين أربكان ما عدا الجنرال إسماعيل حقي، الذي تُوفي في مايو 2020م، بالسجن المؤبد، ففي 19 أغسطس الجاري 2021م؛ اعتقلت قوى الأمن التركية 14 جنرالا متقاعدا بعد إصدار المدعي العام مذكرة اعتقال بحقهم، لتنفيذ عقوبة الحبس المؤبد.
ومن بينهم؛ قائد القوات الجوية السابق أحمد جوركجي (89 سنة) والجنرالان السابقان جيفيك بير (82 سنة) وجتين دوغان (84 سنة) والجنرال المتقاعد إيلهان قليج (84 سنة) بالإضافة إلى أيدين إيرول (81 سنة) وإدريس كور ألب (83 سنة) وآخرون.

القصاص الداخلي
وكانت محكمة الاستئناف العليا أيدت في يوليو 2021م الأحكام الصادرة بالسجن المؤبد عليهم بتهمة ما عرف لاحقا بـ "انقلاب ما بعد الحداثة" أو "انقلاب المذكرة" أو "حركة 28 فبراير"، الذي أطاح بحكومة أربكان المنتخبة.

وأيدتها تاليا؛ المحكمة الجنائية العليا الخامسة في أنقرة، وبجانب ذلك أرسلت المحكمة خطابا إلى هيئة الأركان العامة ووزارة الدفاع التركية طالبت فيه بإبطال رتب المحكوم عليهم وإنهاء علاقتهم بالقوات المسلحة التركية.

وأصدر مكتب المدعي العام في أنقرة قرارا بتنفيذ الأحكام الصادرة بحق المتهمين، الذي لم يرَ أي عقبة أمام تنفيذ القرار، وأصدر مذكرة توقيف بحق المتهمين، لوضعهم في السجن مع قبول تقديم طلبات من المحكومين بتأجيل قرار الحبس لأسباب صحية بعد صدور توصيات وتقرير من الطب الشرعي.


7 سنوات محاكمة
وأصدر القضاء التركي في 13 إبريل 2014م، حكما بالسجن المؤبد بحق 21 شخصا، من كبار جنرالات الجيش آنذاك أُدينوا بـ"المشاركة في الإطاحة بحكومة الجمهورية التركية باستخدام القوة".

وقرر القضاء حينئذ تبرئة 68 مشتبها في القضية وإسقاط الدعاوى القضائية عن 10 متهمين آخرين للتقادم.

ولأسباب السن والحالة الصحية، قررت المحكمة إبقاءهم في منازلهم شريطة المراقبة القضائية ومنعتهم من مغادرة البلاد، وأجبرتهم على التوقيع في أقرب مركز شرطة لمحل سكنهم بداية كل شهر، وذلك حتى تبت المحكمة العليا في طلبات الاستئناف التي قدمها المتهمون بعد صدور قرار المحكمة الجنائية العليا الخامسة في أنقرة.لكن في 9 يوليو 2021م صدر القرار النهائي عن محكمة الاستئناف العليا الذي أيد الأحكام الصادرة بالسجن المؤبد على 14 عسكريا متهما وقررت النيابة العامة تنفيذ القرار.

نموذج الأرجنتين

في الأرجنتين أيضا

وعلى غرار المحاكمة التي عقدتها تركيا لانقلابيي 97، قررت الأرجنتين أن تحاكم في 2017م، نحو 27 متهما بقتل معارضين سياسيين أثناء حكم العسكر في السبعينيات عبر إعدامهم في مدرسة بحرية تم تحويلها لمعتقل أو عبر حقنهم بمواد منومة ورميهم من الطائرات.
واستمر انقلاب عسكر الأرجنتين من 1976 إلى 1983، ولكن صدرت ضدهم أحكام بالسجن في يوليو 2012، بتهمة خطف 400 من أطفال معارضي حكم العسكر من 30 سنة قبل بدء مقاضتهم.

 

تشابه الإجرام 
وفي تركيا كما في مصر، نجح حزب "الرفاه" في الانتخابات المحلية (البلدية) عام 1994م وحصل على 21% من أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية التي شهدتها البلاد في ديسمبر 1995م.
مع حصد حزب أربكان 158 مقعدا من أصل 550 في البرلمان التركي، أُعلن عن تشكيل حكومة ائتلافية في 28 يونيو 1996م بزعامة أربكان من حزب الرفاه وتانسو تشيلر من حزب "الطريق القويم" التي تولت منصب نائبة رئيس الوزراء وزيرة الخارجية.
ومبكرا بدأ الجيش في تركيا في إزعاج أربكان الذي أعتبروا خطواته الإصلاحية وحزبه؛ تهديدا لعلمانية الجمهورية.
وكما الرئيس مرسي، لم يسمح العسكر لأربكان سوى بعام واحد في الحكم، ففي 28 فبراير 1997م، عقدت قيادة مجلس الأمن القومي التركي اجتماعا مهد للانقلاب.
وبنفس الاتهامات، وجه العسكر لأربكان تهمة "تشكيل خطر على النظام" و"دعم الرجعية"، وأغلق مدارس الأئمة والخطباء والمدارس الدينية وأعد قرارا في مجلس الأمن القومي يعتبر أن "الحجاب تهديد لتركيا"، واعتقلت السلطات رئيس بلدية سنجان بكر يلديز من منصبه، واعتقل مع 9 من أصدقائه بتهمة "تحريض الناس على الكراهية والعداء"، وقد أدت هذه التطورات إلى حدوث سجالات سياسية خطيرة، ومنع أربكان من ممارسة السياسة لمدة 5 أعوام بموجب قرار من العسكر والمحكمة الدستورية التابعة لهم.

هل تكرر مصر؟
وما زال الانقلاب مستمرا في الانتقام من ثورة يناير ومن الثوار وإصدار أحكام بحقهم وبحق أبرز قيادات منصة التحرير ورابعة العدوية عبد الرحمن البر ومحمد البلتاجي وصفوت حجازي وأسامة ياسين ففي ١٤ يونيو الماضي، اصدرت محكمة النقض حكما بتأييد حكم الإعدام على 12 من قيادات الإخوان والثوار بقضية فض رابعة.
ورغم أن نخبة الانقلاب تهاجم المطالبين في مصر بالقصاص ولو بعد حين، متجاهلين ما حدث ويحدث في تركيا والأرجنتين وتشيلي والبرازيل، فبحسب المحامي عمرو عبد الهادي عبر تويتر يقول "العسكر و نخبة ٣٠ يونية يهاجمونا و يقولوا بعد ٤ سنين خلاص مفيش الرئيس مرسي.. لا يعترفون أن فيه مرسي و لكن يعترفون أن فيه سيسي".
أما المجلس الثوري المصري فكتب: "أراق الانقلاب العسكري منذ بداية ثورة 25 يناير وحتى الآن دماء الآلاف من الشهداء فضلا عن عشرات الآلاف من المصابين، وبالتالي فإن من تجاهل أي حراك أو مبادرة أو خطاب سياسي ذكر حق القصاص يعد بمثابة جريمة في حق الثورة وهي جريمة لا تقل عن جريمة الانقلاب العسكري ذاته".
ويشير الصحفي والقيادي الطلابي السابق أحمد البقري إلى أنه "بقراءة عدد من الانقلابات العسكرية في دول عدة، السيناريوهات التي أدت إلى الانقلاب هدفها واحد وهوالاستيلاء على السلطة تستفيد من نخبة سياسية تعمل لمصالحها سرعان ما ينقلب عليها العسكر، أزمات مفتعلة، أطراف خارجية تشجع على هذا"(الأرجنتين-تركيا-تايلاند-تشيلي-البرازيل-السودان)".

Facebook Comments