لم يشفع لهم الرقص والتفويض طوال ثماني سنوات من القمع والذبح، حتى وبّخهم جنرال الخراب في رسالته بشأن كارثة سد النهضة، وقال "لا يليق بنا أن نقلق أبدا.. عيشوا حياتكم بلاش هري"، وهو ما أثار موجة سخرية واسعة سواء في مصر وخارجها.
وكأنه آلة اختُرعت لتكذب قال السفاح السيسي في كلمة خلال فعاليات مؤتمر ما يسمى بـ"حياة كريمة"  "قبل ما يحصل أي حاجة لمصر يبقى لازم أنا والجيش نروّح، غير كده مفيش".
وشهد عام 2019 تأثيرا متزايدا لمواقع التواصل الاجتماعي في مصر، تجسّد واقعا في تظاهرات محدودة لكنها نادرة، خرجت تلبية لدعوات ظهرت على بعض تلك المواقع، في شهر سبتمبر 2019، فكيف تحول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي في مصر إلى مصدر فزع للعسكر؟

جنرال الهري!
نقل ما يدور في العالم الافتراضي إلى أرض الواقع، هذا الدور المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي صاحبه تشجيع يرى فيها بديلا "إعلاميا" لا يمكن تقييده، كما يحدث مع وسائل الإعلام التقليدية.
يقول الكاتب الصحفي جمال سلطان " يُحكى أن وزير الخارجية المصري والوفد الكبير المصاحب له، لما ذهب إلى مجلس الأمن يشتكي من المخاطر المهولة التي تتعرض لها مصر بسبب #سد_النهضة وتعرض شعبها للعطش وأرضها للتصحر وزيادة البطالة ومخاطر هجرة الملايين لأوربا بصورة غير شرعية، قال له أعضاء المجلس " بلاش هري، وعيش حياتك". 
لجأ المصريون إلى السوشيال ميديا بعدما سُدت أمامهم سبل التواصل مع الإذاعة والتليفزيون والصحف، وأصبحت تلك الوسائل ساحة تستوعب أكبر عدد من اللاعبين، دون عراقيل أمنية وقمعية كتلك التي تعاني منها الوسائل الإعلامية الأخرى.
يفنّد السياسي والبرلماني السابق محيي عيسى شروط السفاح السيسي للمعارضة، قائلا إنه "يريد معارضة على المقاس، كعادة الحكام المستبدين، فهو يريد معارضة ترى ما يراه، ولا تشكل أي خطر عليه"، مشيرا إلى أن "ما دعاه إلى الحديث عن المعارضة هذه الأيام هو وجود إدارة أمريكية جديدة أربكت حساباته وجعلته في حالة تخبط".
وقال عيسى إن "من الواضح أن السفاح السيسي يعتقد أنه من يحدد مصلحة البلد، إذ يطلب من المعارضة التي يعمل على تشكيلها أن تحدد مصلحة الوطن والمواطن كما يراها هو لا كما يجب أن تكون أو تراها المعارضة، مضيفا "ونحن لا نفهم كيف يكون التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وبيع القطاع العام مثلا لمصلحة المواطن".
بدورها، رأت الناشطة ماجدة محفوظ "السفاح السيسي وجد نفسه أمام ملفين هما حقوق الإنسان، والحياة السياسية، ولذلك بادر بتحديد معايير وأُطر للمعارضة كالحديث عن المشكلات الحياتية، واشترط أن يكون المتحدث فاهما لما يقول، وهو بذلك يلغي تماما المعارضة السياسية، فضلا عن معارضة نظام الحكم الذي جاء عبر انقلاب عسكري".
وتوقعت "عدم قبول عصابة الانقلاب بمعارضة حقيقية في إطارها المتعارف عليه، لكنه تحت ضغوط الإدارة الأمريكية من جهة والضغوط الأوروبية المتضامنة معها من جهة أخرى، خرج السفاح السيسي بهذا الحديث المرتجل على الناس".
يقول الناشط حنفي مدكور " طلع في تيران وصنافير قال أرجو أنه ماحدش يتكلم في الموضوع دا تاني وراحو الجزيرتين والإعلام اتخرص وأغلق الحوار عنهم ودلوقتي في النيل و سد النهضه قال بلاش هري كدا الإعلام مش هتلاقيه بيتكلم ذي الأول عن الموضوع تاني وتم ضياع النيل بنجاح والملء الثاني بنجاح".
وتمكنت سلطات العسكر عقب انقلاب يوليو 2013 الذي قاده السفاح السيسي عندما كان وزيرا للدفاع، من إخضاع جميع وسائل الإعلام والصحافة لسيطرتها وتحكمها، بعد حملة عنيفة ضد القنوات والمواقع الصحفية المعارضة للانقلاب وإغلاقها، أتبعتها بحجب مئات المواقع الصحفية، وفق منظمات ومؤسسات حقوقية.
ورغم نجاح أجهزة أمن الانقلاب في إسكات أي صوت معارض بالداخل، وملاحقة الإعلاميين والصحفيين والحقوقيين واعتقال المئات منهم خلال السنوات الماضية، فإن وسائل إعلام السوشيال ميديا ومواقع صحفية بالخارج نجحت في اختراق كل تلك الموانع، ما شكّل هاجسا وصداعا دائمين للعسكر.

ما يُفزع السيسي
يقول المرشح الرئاسي الأسبق أيمن نور، إن "أكثر ما يفزع السفاح السيسي هو ما يبثه إعلام المعارضة بالخارج، والذي بات جزءا من ثقافة ووعي المصريين البسطاء، وهم من خرجوا رغم القبضة الأمنية في مظاهرات نادرة من قلب الريف في سبتمبر 2019؛ للمطالبة برحيل السفاح السيسي.
نور الذي يترأس مجلس إدارة قناة الشرق الفضائية، قال إن "عصابة الانقلاب تحتل المرتبة الثانية عربيا في قائمة الأكثر امتلاكا للقنوات الفضائية، بامتلاكها بشكل مباشر وغير مباشر، نحو 98 قناة تلفزيونية تديرها وتمتلك بعضها الأجهزة المخابراتية والأمنية، التي انتقلت إلى ممارسة هذا الدور في العلن خلال السنوات الأخيرة، فضلا عن قنوات عربية تدعم السفاح السيسي".
ووفق السياسي المصري المعارض، فإن "السفاح السيسي يرتعد من بضع قنوات فضائية لا يتجاوز عدد أصابع اليد، على الرغم أن حجم إنفاقها ربما يكون أقل من حجم إنفاق قناة واحدة من تلك القنوات المؤيدة له، لأن الصدق يهزم مليارات يضخها تحالف أعداء الشعوب، ويهزم كل محاولات التشويه والنيل من أصحاب الرأي".
الفضل في نجاح إعلام الخارج في التأثير على المصريين يعود إلى الدكتاتور السيسي الذي يحجب الحقائق، ويقول للمصريين لا أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، هذا ما ذهب إليه الكاتب الصحفي المعارض أبو المعاطي السندوبي.
السندوبي المقيم خارج مصر، أوضح أن "لا أحد داخل مصر يستطيع انتقاد سياسات الانقلاب سواء الاقتصادية أو الحقوقية أو السياسية، مضيفا، الشيء الوحيد الذي نجح فيه السيسي، هو جعل الإعلام في مصر هو إعلام الصوت الواحد، الذي يعبر عن رؤية السيسي فقط، ويبرر كل أخطائه وجرائمه".
وكشف الصحفي المصري أن "السفاح السيسي ليس متابعا لإعلام الخارج فقط، وإنما يحلله أيضا، ويدرك مدى تأثيره وقوته من خلال متابعته الشخصية، وما تقدمه الأجهزة المخابراتية والأمنية من تقارير، مشيرا إلى أنه كلما زادت الاحتجاجات الداخلية المعارضة له، زاد هجومه على إعلام وصحافة الخارج".
وأكد السندوبي أن "أوضاع المصريين المتردية -اقتصاديا وحقوقيا وسياسيا- تؤكد زيف ادعاءاته وكذبه فيما يتعلق بإنجازاته التي يتحدث عنها، ولو كانت ذات أثر، لما عددها في كل مناسبة".

Facebook Comments