منتصف ليل السبت الفائت، أصدرت مجموعة من أميرالات القوات البحرية التركية المتقاعدين بياناً مشتركاً، استحث ردات فعل سريعة وحادة على المستويين الرسمي والشعبي، من باب أن البيان حمل تلميحاً أو تلويحاً بانقلاب عسكري، أو عبّر على أقل تقدير عن منطق الوصاية على القيادة السياسية المنتخبة من الشعب.

فقد أصدر 104 ضباط متقاعدين، بينهم قائد سابق للقوات البحرية، بياناً يشرح موقفهم الرافض لبعض الأمور، مثل مشروع قناة إسطنبول ونقاش إمكانية خروج تركيا من اتفاقية "مونترو"، وما أسموه "بعض الأخبار والصور" الخاصة بالقوات البحرية في وسائل التواصل، في إحالة على صورة انتشرت لضابط في البحرية بزي صوفي في "زاوية" لإحدى الحركات الصوفية.

الفكرة الرئيسة في بيان الضباط المتقاعدين هو رفض نقاش الخروج من اتفاقية مونترو فضلاً عن قرار بهذا الاتجاه، ولذلك فقد ركز البيان على أهمية الاتفاقية لتركيا بعدِّها "انتصاراً دبلوماسياً" مكمّلاً لاتفاقية "لوزان" 1923. ويعود هذا الجدل إلى حديث صحافي مع رئيس البرلمان التركي مصطفى شنطوب قبل أيام، بخصوص انسحاب تركيا من اتفاقية إسطنبول لحماية المرأة من العنف بمرسوم رئاسي. فقد سئل شنطوب عن إمكانية خروج تركيا من اتفاقيات دولية أخرى وذُكِرت اتفاقية مونترو مثالاً، فكانت إجابته أن الدستور يمنح هذه الصلاحيات للرئيس، ولكن هذا لا يعني أنه سيتخذ قراراً مثل هذا.

بعض أطراف المعارضة رأت أن الحديث الصحافي لم يكن عفوياً، وأن العدالة والتنمية يهيئ الأرضية لنقاش الخروج من اتفاقية مونترو خدمةً لمشروع قناة إسطنبول، ويبدو أن بيان الضباط يدور في نفس الإطار.

ردات الفعل الرسمية على البيان أتت من كل المستويات تقريباً؛ نائب الرئيس، ورئيس البرلمان، ورئيس دائرة الاتصال في الرئاسة، ونائب/ وكيل رئيس العدالة والتنمية، والناطق باسم العدالة والتنمية، ووزير الداخلية، وعدد كبير من قيادات الحزب ووزراء الحكومة والنواب. كما أن المدعي العام الجمهوري فتح تحقيقاً بخصوص البيان، وقد أوقف في الساعات الأولى بعض معدّيه رهن التحقيق.

كما صدرت مواقف رافضة للبيان ومنددة به من معظم الأحزاب الأخرى، وفي مقدمتها حزب الحركة القومية حليف العدالة والتنمية، باستثناء الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، الذي رأى أن الحزب الحاكم يبالغ في ردة فعله ويدعي المظلومية ليصرف الناس عن مشاكل تركيا الرئيسة.

لا شك أن تقييم البيان على أنه انقلاب عسكري سيكون أمراً مبالغاً به، فالضباط متقاعدون ولا مناصبَ أو أدوارَ فعلية لهم حالياً داخل الجيش، فضلاً عن أن من يخطط لانقلاب ينفذه فوراً دون مقدمات ليحقق عنصر المفاجأة، لكن هذا لا يعني أن البيان ليس فيه ما يقلق ويثير التوجسات.

ففي المقام الأول هو تدخل من عسكريين في قرارات الحكومة المدنية بالرفض على أقل تقدير، خصوصاً طريقة التوقيع الجماعية والنشر العلني، وليس من خلال القنوات الرسمية المعروفة، وهو أسلوب خبرته تركيا سابقاً وكانت له تداعيات كارثية. كما أن توقيت إصدار البيان قريباً من منتصف الليل أثرى بعض الهواجس، بسبب خبرات البلاد السابقة من مثل هذه البيانات.

الأهم أن البيان حمل لهجة تهديد ضمنية، حين قال الموقعون إنهم "يدينون ويعارضون بكل ما لهم" ما عدُّوه محاولات "لإبعاد مسار القوات المسلحة التركية وقواتها البحرية عن الخط المعاصر الذي رسمه أتاتورك"، وإلا فإن الجمهورية التركية "ستكون أمام خطورة وتهديد أن تواجه أحداثاً مؤزِّمة وخطيرة في سبيل بقائها" كما حصل سابقاً في تاريخها، وفق البيان.

………………

باحث في الشأن التركي

كذلك، هناك من لاحظ تطابق عدد الضباط الموقعين على البيان مع عدد الأيام التي تفصلنا عن ذكرى الانقلاب الفاشلة في 15 تموز/ يوليو 2016، من باب أنها لفتة رمزية ذات دلالة واضحة. ويضاف لذلك أن البيان أتى في ظل فتور واضح بين تركيا وإدارة بايدن، الذي كان قال خلال حملته الانتخابية إن على بلاده دعم المعارضة للإطاحة بأردوغان.

وأخيراً، يمكن ربط البيان بالتوتر الأخير بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) بسبب الأزمة في أوكرانيا، واحتمالات أن يتطور الأمر إلى مواجهة قد تطرح على الطاولة دور المضائق التركية من جهة، وموقف تركيا المفترض حياداً أو انحيازاً من جهة أخرى. وهو ما يفسر بعض التقارير التي أشارت إلى أن الموقّعين يمثلون خطاً يسارياً أقرب لروسيا (والصين) من الولايات المتحدة في المؤسسة العسكرية، وتأكيدهم في البيان على أن اتفاقية مونترو "ساعدت تركيا على البقاء على الحياد في الحرب العالمية الثانية".

كل ما سبق من توقيت ودلالات وإيحاءات يفترض أن البيان يعبر فقط عن الضباط المتقاعدين الموقعين عليه، وهي دلالات تزداد أهميتها وخطورتها في حال كانوا يعبرون عن أطراف داخل المؤسسة العسكرية حالياً، وهو احتمال قائم لا يمكن تأكيده أو نفيه وفق المعطيات الحالية، ولعله أكثر ما قد يقلق الحكومة وحزب العدالة والتنمية في الأمر.

يفسّر ذلك ردةَ الفعل مرتفعة السقف التي حصلت سريعاً جداً، رفضاً لأي تدخل من العسكريين – حاليين كانوا أم سابقين – في الحياة السياسية التركية مرة أخرى بهذه الطريقة، وَعَدَّ الأمر من باب التلميح إلى انقلاب عسكري.

ولئن تجنب الرئيس أردوغان أن يرد بنفسه على البيان، تاركاً الأمر لآخرين في الرئاسة والحكومة والحزب، تقليلاً من شأن البيان وخطره، ونفياً لأن يكون هناك خطر عملي داهم في الأمر، إلا أنه دعا لاجتماع طارئ للحكومة ثم للجنة المركزية لحزبه لمناقشة القضية.

إذن، في الخلاصة، ليس البيان مؤشراً مباشراً على انقلاب عسكري آخر، لكنه يحمل بوضوح رسالة ضغط وربما تحذير للحكومة من المضي في مشروع قناة إسطنبول، فضلاً عن تفاصيل أخرى، وعلى هذه القاعدة تتصرف الحكومة حالياً.

وهو أمر يعيد طرح السؤال مرة أخرى: ألم توصد تركيا نهائياً الباب أمام الانقلابات العسكرية بعد المحاولة الفاشلة في 2016؟

والحقيقة أن فشل الانقلاب في 2016 قد ضيّق هامش المناورة أمام أي انقلاب عسكري مستقبلي، وصعّب الأمر عليه كثيراً، ورفع من تكلفته المفترضة، لكن لا يمكن الجزم بأنه أغلق هذا الباب تماماً ونهائياً. فتركيا بلد تمثل الانقلابات العسكرية جزءاً مهماً وسيئاً من تاريخه، والعقيدة الاستعلائية والوصائية التي بنيت عليها المؤسسة العسكرية من الصعب تغييرها في سنوات حكم العدالة والتنمية التي مرت.

ولعل هذا، إضافة لعوامل أخرى، مَرَدُّ حساسية العدالة والتنمية وتحفزه الشديد تجاه أي إشارات من هذا القبيل، حتى ولو كانت غير مباشرة أو حتى غير مقصودة، فكيف ببيان من هذا القبيل؟!

Facebook Comments