نشرت العديد من وسائل الإعلام التابعة للنظام العسكري مقطع فيديو يظهر الطاغية عبد الفتاح السيسي وكأنه تقابل بالصدفة مع بائع فاكهة في شارع أحمد فخري بمدينة نصر، حيث توقفت السيارة التي يستقلها وطلب من البائع شراء 4كيلو موز، وأجرى سفاح مصر وفرعونها لقاء مع البائع ــ أريد له أن يبدو كلقاء عابر لم يتم الإعداد له ــ حيث سأل السيسي البائع عن مشاكله، فأخبره أنه يعاني من آلام بالأعصاب في قدمه؛ فأرسل السيسي على الفور بتكلف وزارة الصحة بمتابعة حالته فأرسلت له سيارة إسعاف وتم نقله إلى مستشفى دار الشفاء لعمل الإشاعات والإجراءات الطبية المطلوبة. ثم ظهر بائع آخر وقف يحدث "الطاغية" وشكا له أن موظفي الحي سطوا على سيارته التي يبيع عليها الفاكهة والخضار لإطعام أولاده، فطمأنه السيسي أن سيحل مشكلته لكن هذا المشهد الأخير لم تسلط عليه فضائيات النظام الضوء لأنه يمثل إدانة لموظفي الحكومة في الأحياء ومدى بطشهم وظلمهم للباعة الجائلين.
أليست هذه وزارة الصحة التي رفضت إرسال سيارة إسعاف لأهالي النوبة لنقل سيدة مصابة بكورونا؟ الغريب أن وزارة التضامن الاجتماعي تفاعلت هي الأخرى مع المشهد (التمثيلي) وقامت بتشكيل فريق لبحث الحالة الاجتماعية لبائع الفاكهة من الناحيتين المالية والاجتماعية وتقديم المساعدات له.
من يعرف الجنرال جيدا يعلم علم اليقين أن المشهد ليس عفويا بل يستحيل أن يكون عفويا؛ فهو سفاح من الطراز الرفيع، قاد انقلابا دمويا على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، ارتكب عشرات المذابح الجماعية وسفك دماء الآلاف من المصريين طمعا في السلطة والحكم، يزج بعشرات الآلاف من الأبرياء في السجون بتهم ملفقة، لم تشهد مصر ظلما كما تشهده في عهده، ولم يكن بمصر كل هذا العدد من السجون والمعتقلين السياسيين إلا في عهده؛ فهل بعد ذلك يمكن أن يقتنع أي أحد بأن هذا المجرم يتصف بأي شيء من الإنسانية؟! قد يتمسح في الإنسانية نعم.. قد يتظاهر بالإنسانية نعم.. أما الإنسانية كقيمة وخلق رفيع يتصف صاحبها بالرحمة والنبل والشهامة فإن السيسي هو أبعهد الناس عن هذه القيم السامية.. وتاريخه ومذابحه خير شاهد.

على طريقة "طباخ الرئيس"!
مشهد السيسي (التمثيلي) مع بائع الفاكهة يعيد إلى الأذهان أحد مشاهد فيلم "طباخ الرئيس"، حيث نزل "خالد زكي" الذي كان يقوم بدور الرئيس يتمشى في الشوارع مع الطباخ "طلعت زكريا" على كورنيش النيل، وطلب الرئيس أن يأكل بطاطا، فأعطاهم البائع البطاطا بلا مقابل حبا وشغفا في الرئيس! وعندما تحدث الرئيس عن الحب العشق، فجأة وجد حشود من العاشقين والعاشقات حوله على الكورنيش، وعندما ذكر شعر أمير الشعراء أحمد شوقي العذب الجميل، جيء على الفوز بشعراء ينشدون شعر شوقي. واتضح أن المخابرات كانت ترتب المشهد من بعيد؛ فبائع البطاطا هو في الحقيقة فرد مخابرات أريد له القيام بهذا الدور ثم جاءته الأوامر بالانسحاب، وحتى العشاق والشعراء هم مجرد كومبارسات جاءت بهم المخابرات في مشهد تمثيلي بائس.
وبرصد مشهد السيسي مع بائع الفاكهة فقد خلا الشارع إلا من سيارتين وعلى الأرجح فإنهما سيارات تابعة لأحد الأجهزة، وقد يكون بائع الفاكهة كبائع البطاطا مجرد فرد مخابرات يتلقى الأوامر، وقد يكون فعلا بائع باطاطا سيساوي تم الاتفاق معه على هذا المشهد التمثيلي المفتعل لتجميل صورة السفاح مقابل حفنة الامتيازات التي سيحظى بها.

إنسانية زائفة
بالطبع يريد القائمون على هذا المشهد التمثيلي المفتعل أن يقدموا السفاح في صورة إنسان، لكن أليس هذا هو السيسي الذي يهدم بيوت المصريين؟ أليس هو من يفرض الضرائب الباهظة ورسوم الجباية التي تسحق الشعب كل الشعب؟ أليس هو من يخطب بين ضباط وجنود الجيش من وراء حجاب زجاجي مضاد للرصاص خوفا من الاغتيال؟ أليس هو من يحتقر مؤيديه ويخاطبهم موجها لهم ظهره ودبره؟! أليس هو من يعتقل نساء مصر وبناتها؟ وهو من يعتقل العفيفة المؤمنة عائشة الشاطر لا لتهمة سوى أنها ابنة المهندس خيرت الشاطر، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين؟ أليس هو من يعتقل السيدة علا القرضاوي وزوجها لا لشيء سوى أن والدها هو العلامة الفقيه الدكتور يوسف القرضاوي؟ أليس هو من غدر بالرئيس المنتخب وزج به في السجن ظلما حتى استشهد على يد السفح الطاغية؟ أليس هو السيسي من أفقر عشرات الملايين من المصريين بسياساته وقراراته العشوائية؟ ألم تتسبب سياساته في إفقار نحو 60% من الشعب وفقا لتقديرات البنك الدولي؟ أليس هو من يخفض الدعم ويترك المصريين نهبا للفقر والجوع؟ فهل هناك بعد ذلك مجال لأن يتحدث أحد عن إنسانية الطاغية؟ تلك إذا إنسانية زائفة كالذهب الفالصو لا قيمة له حتى لو كان شديد اللمعان، ولا يعرف الفرق بين الذهب الخالص والفالصوا سوى أصحاب العلم والمعرفة والإيمان الحق، ولا تنطلى هذه الأكاذيب إلا على كل جهول أحمق، والحمد لله ما أقلهم في مصر بعد أن تعرى الجنرال وتعرى نظامه وبات الناس على يقين كامل أنه مجرم اغتصب حكم البلاد بالدماء لا يأخذها إلا إلى الخراب والدمار!.

Facebook Comments