يحتاج الحاكم المستبد إلى الفساد بل يزرعه بنفسه حتى ولو كان يكرهه لتحقيق الهدف الأساسي للحكام المستبدين ألا وهو البقاء في السلطة بكل وسيلة ممكنة، ومن هذه الوسائل الحاجة إلى إنشاء شبكات من الواسطة والمحسوبية داخل هيكل الدولة، شبكات من المستفيدين وبالتالي تكون حاجتهم لحماية حكمه ومن ثم حماية مصالحهم.
وفي الوقت الذي يتظاهر فيه عبدالفتاح السيسي، قائد الانقلاب، بعدائه الشديد للفساد، وكان يقول منذ سنوات إن الدولة المصرية أصبح لها أخيرا إرادة حقيقية لمكافحة الفساد، يزعم أنه يكره الفساد الذي استشرى في عهد سلفه ويكره المحسوبية فلا يقبلها لأبنائه، وبعد مرور فترة الولاية الأولى وانطلاق الثانية باتت الحاجة ملحة لهدف البقاء في السلطة وبات يكفي معها تتبع قضية فساد واحدة كقضية الحزام الأخضر لتدرك جانبا مما يصنعه هذا الائتلاف الموالي للديكتاتور الجديد.
ووصف رئيس جهاز المحاسبات السابق المستشار هشام جنينة القضية التي كانت جزءا من المقايضة على حريته بـ"عش الدبابير"، وقد جرى إغلاقها أخيرا وبعد عشر سنوات من نظرها بتوجيه من السيسي شخصيا وبإشراف مباشر من نجله الذي يتخطى في سطوته كل رؤسائه في هيئة الرقابة الإدارية، يدعمه في ذلك قرار السيسي نفسه بتحويل كل أراضي الحزام إلى الاستثمار العقاري لترضية ملاكه الذين لا يبتعدون عن الشبكة نفسها من ضباط وقضاة وحتى أعضاء في الهيئة الرقابية.
واستكمالا لعمليات التصالح التي يجريها نظام الانقلاب مع عدد من رجال الأعمال المتهمين في قضايا فساد مال عام أعلنت النيابة العامة مساء السبت توقيع تسوية وتصالح مع رجل الأعمال الهارب مجدي راسخ ووزير الإسكان الأسبق في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك محمد إبراهيم سليمان مقابل سداد مبلغ يقدر بنحو مليار و300 مليون جنيه.
ووقعت اللجنة القومية لاسترداد الأموال والأصول والموجودات في الخارج تسوية مع راسخ وسليمان المتهمين في عدد من قضايا التربح والإضرار العمدي بالمال العام ومنها القضية المعروفة إعلاميا بالحزام الأخضر وأرض شركة سودك في مدينة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة حسب بيان النيابة العامة.
وكانت صحيفة "عربي 21" الإلكترونية قد نشرت معلومات تفصيلية نقلا عن مصدر مطلع داخل جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة تكشف عن ضلوع السيسي نفسه في التستر على القضية إرضاء للعديد من أجهزة الدولة الرقابية والسيادية وبتدخل مباشر من نجله مصطفى الذي يعمل حاليا مسؤولا كبيرا في هيئة الرقابة الإدارية ما يعيد الجدل حول سياسات الانقلاب وحجم الفساد في دولاب الدولة.

قيمة التصالح ضئيلة
وقال مختار العشري، المستشار القانوني لحزب الحرية والعدالة، إن التصالح في قضية الحزام الأخضر على هذه القيمة المتدنية غير مقبول لأن هذه الأرض تساوي أموالا طائلة وحقوق الشعب المصري في هذه القضية أكبر من ذلك بكثير.
وأضاف العشري في مداخلة هاتفية لبرنامج "قصة اليوم" على قناة "مكملين" أن التصالح تم على مخالفة تمت بالفعل وهي التربح، وقد وجهت النيابة الاتهام لمحمد إبراهيم سليمان ومجدي راسخ وغيرهم الذين حصلوا على هذه الفدادين الكثيرة بثمن بخس وزادوا نسبة الإشغال السكاني فيها من 2% إلى 10% أي 5 أضعاف النسبة المقررة وبذلك حققوا أرباحا طائلة وقيمة التصالح هذه لا تساوي شيئا بجانبها.
وأشار العشري إلى إجراء رجل الأعمال نجيب ساويرس تصالحات مع حكومة السيسي في قضايا التهرب الضريبي وكان مبلغ التصالح يساوي 7 مليارات أي أضعاف مبلغ التصالح في قضية الحزام الأخضر، مؤكدا أن هذا المبلغ لا يمكن أن يكون المبلغ الحقيقي للتصالح وإنما بهدف ذر الرماد في العيون وإيهام الشعب بأنه تم التصالح في هذه القضية.
يذكر أن السيسي في 2017 اتخذ قرارا بتحويل نشاط الأرض من استصلاح زراعي إلى استصلاح عقاري واستثماري، وهو ما ما ضاعف من قيمة هذه الأرض لحساب مافيا الاستيلاء عليها بعد أن سطوا عليها باثمان باخسة.
ولفت إلى أنه ليس من المنطقى قيام السيسي بإصدار مثل هذه القرارات التنفيذية، الخاصة بمثل هذه الأمور التي تدخل بين اختصاصات هيئة المجتمعات العمرانية ووزير الإسكان، ولابد من عرضها بعد ذلك على مجلس النواب حتى يتخذ قانونا بها، محكمة أول الدرجة ومحكمة النقض أعادت وقف التنفيذ وأعادت النظر في القضية لم تنظر في أن القيمة المحكوم بردها لم تتناسب مع سعر الدولار الذي تضاعف خلال تلك الفترة من 8 جنيهات إلى 16 جنيه تقريبا الآن.

مؤشر الشفافية
بدورها قالت كندة حتر، المستشارة الإقليمية لمنظمة الشفافية الدولية، إن ترتيب مصر على مؤشر مدركات الفساد أكبر من القضايا البسيطة المحصلة؛ لأن التراكمية في موضوع ترتيب الدول على المؤشر يأتي بتحليل كل الأنظمة الداخلية في الدولة التي تتعامل مع قضايا الفساد.
وأضافت أن مؤشر مدركات الفساد يقيس الفساد في القطاع الحكومي بشكل عام وله تأثيره على بعض الإجراءات التي تحصل في قطاع الخدمات وأيضا قطاع الصحة والتعليم، مضيفة أن بعض القرارات القانونية او القضايا التي تصدرها الدولة خلال العام وقبل المؤشر لا تؤثر مباشرة في ترتيبها ولكن لها أثر تراكمي.
وأوضحت أن مثل هذه القضايا تثير العديد من علامات الاستفهام بشأن وجود قضايا فساد ضد قيادات النظام السابق وكيفية معالجتها عبر السنوات الماضية، وهل كان هناك تأثير سياسي على سير القضايا أم لا، وأين ستذهب هذه الأموال المستردة؟ وهل يكون هناك إجراءات شفافة للنظر في جميع القضايا القائمة على رجال النظام السابق داخل مصر وخارجها.
وأشارت إلى أن الرئيس المخلوع حسني مبارك ونجليه تورطوا في قضايا فساد ولم يتم استرداد هذه الأموال وحكم عليهم بالبراءة، وأيضا الأموال المهربة إلى الخارج لم يتم استردادها وقامت الدول الخارجية بفك إجراءات تجميد هذه الأموال لعدم وجود قرارات قضائية من حكومة الانقلاب.
https://www.youtube.com/watch?v=NlTzqBgcrd4

Facebook Comments