في أوج مناخ الحرية الذي شهدته مصر بعد ثورة 25 يناير تعالت صيحات استنكار معارضين للرئيس الشهيد محمد مرسي حينما تسرب خطاب يحمل صياغة بروتوكولية، حيث ورد لفظ "عزيزي بيريز"، لكن هذه الأصوات نفسها اختفت عندما أعلن السفاح القادم من الانقلاب عبد الفتاح السيسي عما وصفه بـ"السلام الدافئ والعلاقات الحميمة" مع تل أبيب، وعندما قال نتنياهو لوزير البترول في حكومة الانقلاب "تحياتي الحارة إلى السيسي"!
واستقبل رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو، اليوم الأحد في القدس المحتلة، وزير نهب البترول والثروة المعدنية في حكومة الانقلاب طارق الملا، معتبرا أن هناك "فرصة هائلة" لتحقيق تعاون إقليمي بين عصابة الانقلاب وإسرائيل و"دول أخرى" لم يحددها.

مرسال العسكر
وضجت وسائل الإعلام الانقلابية باستنكار جملة (عزيزي بيريز) في عام 2012 ، تلك الجملة الديباجية المعتادة في المراسلات المصرية الصهيونية، والتي استخدمها إعلاميو الانقلاب لاتهام الرئيس المنتخب ديمقراطيا بعد ثورة يناير بالخيانة.
واليوم، قال نتنياهو لـ"مرسال العسكر": "أهلا وسهلا بكم. الرجاء نقل تحياتي الحارة إلى صديقي فخامة "…" السيسي. هذا هو يوم مهم يمثل التعاون المتواصل بيننا في مجال الطاقة وفي مجالات كثيرة أخرى. ونعتقد أن عصرا جديدا من السلام والازدهار يسود حاليا بفضل اتفاقيات إبراهيم"!
وتابع نتنياهو بالقول: "نحن نشكل مركزا إقليميا للطاقة. معا نستطيع توفير ليس احتياجاتنا فحسب وإنما احتياجات دول كثيرة أخرى أيضا. فبهذه الروح من الصداقة والتعاون والسلام والازدهار أرحب بكم في إسرائيل. أهلا وسهلا بكم"، وفقا لبيان منشور على صفحة نتنياهو في فيسبوك.
ولا يجرؤ إعلام الانقلاب على الاعتراف بأن أول من أرسل (عزيزي بيريز) هو من يستقبل "تحياتي الحارة إلى السيسي"، إنهم عصابة الغدر العسكري.
المكانة المميزة للمنقلب في قلب العدو الصهيوني استحقها عن جدارة بعد مجهوداته الدؤوبة لتوثيق عرى "الصداقة والأخوة"، قدم السفاح السيسي عربون الصداقة الأول بتنفيذ عملية انقلاب على أول رئيس منتخب، واعتقال الجماعة التي ينتمي إليها بالإرهاب ثم حظرهم لكونهم أهم وآخر ظهير لحركة "حماس"؛ وعليه، كان من الوفاء أن يرد الصهاينة الجميل بدعمه إعلاميا وسياسيا عبر جماعتهم الضاغطة بأمريكا، وفرضه كأمر واقع على كل دول العالم الديمقراطي!

عصابة الانقلاب
شهدت علاقات عصابة العسكر بمصر وكيان العدو الصهيوني فتورا في الفترة الممتدة من بداية ثورة 25 يناير 2011 وحتى الثالث من يوليو 2013 حين وقع الانقلاب العسكري، وهي الفترة التي دفعت العديد من القيادات السياسية الصهيونية للتعبير عن القلق من وجود رئيس ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين على رأس السلطة.
لكن الأمر انقلب مع إعلان السفاح السيسي الانقلاب العسكري، إذ عبرت دوائر صهيونية عن سعادتها بالإطاحة بالرئيس مرسي، بل وصل الأمر إلى إعلان الإعلامي القريب من الدوائر الأمنية توفيق عكاشة أنه نصح قيادة الانقلاب العسكري بالتواصل مع الصهاينة والطلب منها الدفاع عن الانقلاب لدى الغرب، خاصة الولايات المتحدة بوصفه الانقلاب النابع من ثورة شعبية وليس انقلابا عسكريا، مؤكدا أن عصابة العسكر استجابت له، ولاحقا نجح كيان العدو الصهيوني في التسويق دوليا لعصابة الانقلاب.
وفي معظم تصريحات السفاح السيسي برزت الإشارة لكيان العدو الصهيوني كصديق، حيث يكرر السفاح السيسي دائما سعيه لضمان "أمن إسرائيل"، وفي خطاب بالأمم المتحدة في سبتمبر 2017 أكد على ضرورة "سلامة المواطن الإسرائيلي"، وفي أبريل 2017 أعلن السيسي خلال لقائه مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التزامه بما سماها "صفقة القرن" وهو المصطلح الذي تبرأ منه السفاح السيسي لاحقا بعدما تسرب من تحقيقه مكاسب جيوسياسية لتل أبيب.
وخلال برنامج "60 دقيقة" المذاع على قناة "سي بي أس" الأمريكية كشف السفاح السيسي بنفسه لأول مرة ما كان ينكره كبار مسؤولي عصابته من قبل بشأن وجود تعاون بين الجيشين المصري والصهيوني في ما يتعلق بمزاعم محاربة "الإرهاب" في سيناء.

ورطة كببرة
وتأتي زيارة وزير نهب البترول والثروة المعدنية في حكومة الانقلاب طارق الملا إلى القدس المحتلة ضمن ترتيبات صهيوأمريكية بشأن تقاسم ثروة غاز المتوسط، وهو المجال الأبرز في التعاون بين عصابة السيسي وتل أبيب منذ الانقلاب، إذ صرح الصهاينة بأن الغاز المسروق من فلسطين سيصل مصر قريبا.
ووقعت شركات مصرية تابعة للعسكر قبل شهور اتفاقية لاستيراد الغاز من الكيان الصهيوني بنحو مليار ونصف المليار دولار سنويا لعشر سنوات.
ويرى المحلل السياسي المختص في شؤون العلاقات الصهيونية سيد أمين أن ثورة يناير وضعت العلاقات بين العسكر واسرائيل في "ورطة كبرى"، وكانت الثورة وحدها كفيلة بتقويض كل مشاريع "الهيمنة الأمريكية الصهيونية" في المنطقة.
واعتبر أمين أن الانقلاب كان "ضرورة إسرائيلية"، وذلك لحفظ أمن (إسرائيل) كما كانت الثورة تهديدا لهذا الأمن، مبينا أن ما وصفه بالتطور الخطير في علاقات العسكر بـ(اسرائيل) يتمثل في انتقال "التواطؤ" على مصالح الشعب المصري للعلن بعد أن اتسم طويلا بالسرية، بحسب وصفه.
ولفت إلى أن "الأخطر" في هذا التطور هو استغلال السفاح السيسي العلاقة مع كيان العدو الصهيوني في إقناع الغرب بأنه "الأفضل" لتمثيل المصالح الغربية في مصر رغما عن التذمر الشعبي.

Facebook Comments