في ظل الحكم العسكري والسيطرة الأمنية على كل شيء في مصر، سواء بالتعيينات في المناصب القيادية او القرارات والقوانين التنظيمة لكافة تفاصيل المجتمع المصري، جاء اعلان مجلس وزراء العسكر عن بدء العمل بلائحة العمل الاهلي الجديدة منذ 12 يناير، في محالة لتوصيل رسالة مضللة للإدارة الامريكية الجديدة بقيادة جو بايدن، وإيهام الغرب بأن هناك ديمقراطية أو ممارسة للعمل الأهلي بمصر، وهو أمر يفهمه كل النشطاء والحقوقيين في مصر ومناطق العالم المختلفة، التي قدمت العديد من الشهادات عن إجرام النظام العسكري في مصر.

وبعد تأخر إصدارها أكثر من عشرة أشهر، نشرت الجريدة الرسمية، مؤخرا، قرار رئيس وزراء الانقلاب بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون العمل الأهلي، متضمنا بدء العمل بنصوصها بداية من 12 يناير الجاري، وإلزام كافة الجمعيات والمنظمات والشركات التي تمارس العمل الأهلي بتوفيق أوضاعها وإكمال أوراق قيدها بوزارة التضامن الاجتماعي.

وأثارت اللائحة الجديدة ردود فعل متباينة، إذ إن موادها تعيد إنتاج سيطرة الأجهزة الأمنية على إجراءات قيد الجمعيات والإشراف على عملها وأنشطتها، وأنها بمثابة شباك لاصطياد المدافعين عن حقوق الإنسان والعمل الأهلي وايقاعهم في نطاق المخالفة، فيما اعتبر نجاد البرعي رئيس المجموعة المتحدة للاستشارات القانونية، أن اللائحة جاءت على خطى القانون لتدعم العمل الخيري وتعرقل ما دونه من عمل أهلي، مشددا على أن العبرة ليست بمواد اللائحة وإنما بطريقة تنفيذها، بحسب تصريحاته الإعلامية لوسائل إعلام.
وبحسب حقوقيين، تتضمن اللائحة بنودا جديدة لم يتضمنها القانون، بعضها إيجابي، مثل المادة الخاصة بالتمويل الأجنبي، وبعضها غير قابل للتطبيق على أرض الواقع. وتضمنت اللائحة التنفيذية 188 مادة، وحددت المادة الأولى منها طريقين لتوفيق الأوضاع، الأول، يخص الجمعيات والمنظمات المقيدة بوزارة التضامن الاجتماعي في الوقت الحالي، وعليها أن تتقدم بنفسها مباشرة بتقديم الأوراق المطلوبة لتوفيق الأوضاع للجهة المختصة بالوزارة.

سلاح الوحدة الفرعية
أما الطريق الآخر، فيخص الكيانات غير المقيدة التي تمارس العمل الأهلي (شركات المحاماة والاستشارات القانونية وعيادات تأهيل الضحايا.. وغيرها)، ولم تترك اللائحة لتلك المؤسسات حرية التقدم لتوفيق الأوضاع من عدمه، وإنما أوكلت لما يعرف بـ«الوحدة الفرعية» أن تقوم أولا بإخطار الشركة أو المنظمة التي عليها توفيق أوضاعها، قبل أن تقدم تلك الشركة أو المنظمة على التقدم بالورق المطلوب منها لتلك الوحدة.
ولتنفيذ تلك المهمة، منحت اللائحة لتلك «الوحدة»، في المادة الخامسة منها، سلطة مخاطبة جميع جهات الدولة للاستعلام عن الكيانات المرخصة لديها وتمارس عملا أهليا، لتخاطب الوحدة في ضوء ما يصلها من بيانات تلك الكيانات وتطالبها بتوفيق أوضاعها كجمعية أهلية خاضعة لقانون العمل الأهلي، وإذا لم توفق تلك الكيانات أوضاعها تلزم اللائحة الجهة الحكومية مصدرة الترخيص بإلغائه أو تطالب محكمة القضاء الإداري بحله.
ومن المتوقع أنه في ضوء اللائحة ستطالب «الوحدة» الهيئة العامة للاستثمار مثلا بتحديد شركات المحاماة أو الاستشارات المقيدة لديها والتي تمارس عملا أهليا، ولتنفيذ هذا الأمر على أرض الواقع يفترض أن تكون جهات الدولة سواء الهيئة أو غيرها على علم بمن يمارس العمل الأهلي ومن لا يمارسه وهو أمر غير متصور.
يشار إلى ان «الوحدة» كانت محل انتقاد أيضا وذلك ككيان داخل وزارة التضامن الاجتماعي، وأوكلت لتلك الوحدة كافة مهام قيد وتسجيل والإشراف ومراقبة عمل المؤسسات الأهلية، وأحاطت تشكيل «الوحدة» والجهات التي سيتم ندب وإعارة موظفين منها إليها بالغموض.

إعادة إنتاج سيطرة الأمن
فيما اعتبر ناصر امين، رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، أن تلك الوحدة هي بمثابة إعادة إنتاج لسيطرة الأجهزة الأمنية على العمل الأهلي وتشكيل كيان يضم أجهزة أمنية داخل وزارة التضامن الاجتماعي كما كان منصوصا عليه في قانون العمل الأهلي الصادر عام 2017.
وتضمن قانون العمل الأهلي، الذي صدر في مايو 2017، ولم يدخل حيز التنفيذ، بسبب اعتراضات محلية ودولية على عدد من نصوصه، منها النص على تشكيل جهاز قومي، يسمى (الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية)، يضم ممثلين لوزارات الدفاع والداخلية والمخابرات العامة وغيرها من الأجهزة الأمنية للإشراف على أنشطة الجمعيات الأهلية المحلية والأجنبية وكل ما يخص التمويل. وتبع تلك الاعتراضات مطالبة السيسي للبرلمان بتشكيله السابق بتعديل مشروع القانون في نوفمبر 2018، و إصدار القانون الحالي في أغسطس 2019.
وبموجب قانون الجمعيات تختص «الوحدة» بالإشراف والرقابة على الجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية المحلية، والمنظمات الأجنبية.
وإلى جانب عدم وضوح تشكيل الوحدة التي ستتولى كافة مهام الإشراف على العمل الأهلي، ربطت اللائحة شروط قيد الجمعية الأهلية بضرورة استكمال الأوراق، و«الوحدة» هي المسؤولة عن هذا الإجراء، ومن ثم فقد تتعسف بحجة عدم استيفاء الأوراق، وهو ما يعد تحايلا صريحا على النص الدستوري بأن تأسيس الجمعيات يكون بالإخطار، وتأكيدا على أنه بالتصريح.
علاوة على إن اللائحة تضمنت مواد غامضة وفي حاجة إلى إعادة المراجعة، مثل المادة 29 التي تحظر على الجمعية الإعلان عن أو ممارسة أي نشاط وارد في «نظامها الأساسي» قبل الحصول على ترخيص من الجهة المعنية بإصداره، مفسرا بأن اللائحة نفسها لم تحدد ما إذا كان هناك أنشطة معينة تتطلب الحصول على ترخيص معين قبل ممارستها.
كما أن اللائحة تضمنت أيضا مود جيدة، مثل المادة 42 المتعلقة بالتمويل الأجنبي، تلك المادة عالجت التناقض الذي تضمنه القانون، حيث أجازت اللائحة للجمعية الأهلية أن تقبل الأموال أو المنح أو الهبات من الجهات محلية أو أجنبية وتودعها في حسابها البنكي، وتخطر الوحدة بتلقي تلك الأموال خلال شهرا من تلقيها، في الوقت الذي حظر القانون في المادة 15 منه، إبرام اتفاق بأي صيغة كانت مع جهة أجنبية داخل أو خارج البلاد قبل موافقة الجهة الإدارية وكذلك أي تعديل يطرأ عليه.

استغلال العمل الخيري انتخابيا
وعلى عكس ما يردده النظام العسكري من انتقادات واهية لفصائل العمل الاسلامي والمدني، التي انقلب عليها العسكر في 2013، باستغلال العمل الخيري في اغراض سياسية؛ اعتبر المحامي نجاد البرعي في تصريحات صحفية، إن فلسفة اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات شأنها شأن كل القوانين التي أصدرتها البلاد لتنظيم العمل الأهلي تدعم وتشجع عمل رجال الأعمال والقادرين ماديا على ممارسة العمل الخيري في الأساس، فاللائحة تشترط أن يكون لكل جمعية مقر له مدخل منفصل، وتتشدد في عدم تقاضي العاملين في العمل الأهلي رواتب، بما يعرقل ممارسة الشريحة المتوسطة والدنيا من الطبقة الوسطى العمل الأهلي.
وكان مجلس وزراء الانقلاب أعلن في 26 نوفمبر الماضي عن إقرار اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم العمل الأهلي، بعد أيام من هجمة أمنية استهدفت 3 من قيادات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بداية من 15 نوفمبر الماضي، بررتها وزارة الخارجية وقتها بأن «المبادرة» مسجلة كشركة «وتمارس أنشطة أخرى بالمخالفة لما يقضي به قانون العمل الأهلي من خضوع نشاطها لولايته»، ورغم ذلك لم تنشر بنود اللائحة إلا مؤخرا.
وأمام تلك المعطيات فإنه لا يمكن تجاهل أن الهدف الأساس للائحة الجديدة المقرة أمنيا بالأساس، هو مزيد متن السيطرة المقنعة من قبل الأجهزة الأمنية، وخداع الغرب بأن هناك هامش حرية للعمل المدني والأهلي في مصر بالمخالفة للواقع.

Facebook Comments