ورطة بحكومة العسكر بعد شكوى سودانية في مجلس الأمن بشأن حلايب

- ‎فيتقارير

بعد قرار السودان سحب سفيرها من القاهرة، الأسبوع الماضي، أعلنت وزارة الخارجية السودانية عن تجديد شكواها للأمم المتحدة، أمس الإثنين 8 يناير 2018م، التي وصفت فيها الوجود المصري في مثلث حلايب بالاحتلال، وطالبت بتمكين الخرطوم من تسلُّم المثلث الحدودي المتنازع عليه بين البلدين.

وأفادت وكالة السودان للأنباء، بأن ذلك جاء في رسالة بعثها مندوب البلاد الدائم لدى الأمم المتحدة عمر دهب، لرئيس مجلس الأمن الدولي، والتي دعا فيها إلى توزيع خطاب السودان على أعضاء المجلس باعتباره وثيقة من وثائقه.

وبحسب محللين فإن الخطوات التصعيدية من جانب الخرطوم، جاءت بعد مقترحات سودانية على حكومة العسكر بضرورة حل أزمة مثلث حلايب والمشاكل الأخرى عبر الحوار أو التحكيم الدولي، وهو ما رفضته حكومة العسكر.

وتصاعدت حدة الأزمة بين البلدين بعد الزيارة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الخرطوم، يوم 24 من ديسمبر الماضي، حيث جرى توقيع نحو 12 اتفاقية ذات طبيعة استراتيجية: عسكرية وأمنية وسياسية وزراعية وصناعية وتنموية.

كما تم منح تركيا امتيازات تتعلق بإعادة ترميم وتطوير جزيرة “سواكن” الساحلية على البحر الأحمر؛ الأمر الذي أثار مخاوف حكومة العسكر، وزعمت أن تركيا تستهدف بناء قاعدة عسكرية في الجزيرة.

وبحسب مراقبين، فرغم التوضيحات والتطمينات السودانية بشأن “سواكن”؛ فإن حكومة العسكر بالغت في تضخيم المخاوف سياسيا وإعلاميا من زيارة الرئيس التركي، ومنح تركيا وجودا في الجزيرة؛ من أجل ابتزاز الحكومة السودانية، وللتغطية على أزمة مثلث حلايب، وللضغط على الخرطوم من أجل تغيير موقفها في مفاوضات سد النهضة، والذي تراه حكومة العسكر انحيازا لأديس أبابا.

لكن الخطوات التصعيدية الأخيرة من جانب الخرطوم، سواء سحب السفير أو تقديم شكوى في مجلس الأمن، يضع حكومة العسكر في ورطة كبيرة، وذلك لاعتبارات تتعلق بسطوة الجغرافيا التي تمنح السودان امتيازات تتعلق بمجرى نهر النيل ومنابعه في إثيوبيا وغيرها.

وكانت حكومة العسكر قد أعلنت، في ديسمبر الماضي، رفضها القاطع لما انطوى عليه الخطاب الموجّه من الخارجية السودانية حول السيادة السودانية على منطقة حلايب وشلاتين ووصف الوجود المصري بالاحتلال، واعتبرت ذلك ادعاءات، مشيرة إلى أن حلايب وشلاتين أراض مصرية يقطنها مواطنون مصريون وتحت السيادة المصرية.

كما تأتي هذه التوترات في ظل موجة من المظاهرات ضد الغلاء في السودان وتوترات في الحدود مع إريتريا، وسط اتهامات لدويلة الإمارات العبرية ونظام عسكر 30 يونيو بدعم هذه المظاهرات، والعمل على الإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير.

وكانت تركيا قد كشفت عن إحباط محاولة انقلاب على الرئيس السوداني خلال الشهور الماضية، الأمر الذي يسهم في تأزيم العلاقات بين الخرطوم من جهة والنظم المتورطة في هذه المحاولات، وبالأخص الإمارات والعسكر.

دعم مصري للمتمردين

كانت السياسة السودانية تميل إلى ضبط النفس وعدم الانجرار للتصعيد المستفز، حتى رصدت السلطات السودانية وصول دعم عسكري مباشر من جانب حكومة العسكر بالقاهرة إلى مجموعات سودانية شمالية متمركزة قرب الحدود مع دولة جنوب السودان.

ويعني ذلك أن القاهرة تستخدم أسلوب “مخلب القط” لتجريح السودان وتأزيم الجبهات المنطفئة مؤقتا وإشعالها من جديد، وترافق مع هذا نشاط استخباري مصري كبير في الخرطوم وفي المناطق الحدودية بين السودان وإثيوبيا، إضافة إلى تسريبات ذات منشأ مصري بأن ثمة حشوداً عسكرية مصرية في منطقة حساسة مع الدولة العدو اللدود لإثيوبيا وهي إريتريا.

ولم يتوقف الاستفزاز المصري عند هذا الحد؛ فقد تحرك النشاط الاستخباري والعسكري المصري مجددا إلى دارفور، عبر المجموعات السودانية المعارضة والمسلحة، التي تتحرك ضمن مليشيات خليفة حفتر القائد العسكري الليبي المتحالف مع القاهرة، والذي انتقد السودان بشدة مراراً، ولم ترشَح تفاصيل عن هذه التحركات الجديدة التي يُدار معظمها من مكاتب هذه المعارضة بالقاهرة.

خطوات للخلف

التصعيد السوداني جاء بعد هذه المعلومات الحساسة، كما جاء أيضا بعد حملة دعائية سوداء من جانب إعلام العسكر استهدفت السودان، ورافق ذلك موجة سخرية عالية تجاوزت حدود اللياقة والأخلاق، ووصلت إلى حد العنصرية وعدم الاعتراف بوجود دولة اسمها السودان وأنها تابعة لمصر، وهو أمر معتاد في الحملات الإعلامية الموالية للعسكر على السودان منذ دهر طويل.

وكشفت تصريحات وزير الخارجية بحكومة العسكر سامح شكري أمس، خلال مؤتمر صحفى مشترك مع وزير الخارجية الأيرلندى سيمون كوفنى، أن حكومته تجري تقييما لقرار الخرطوم سحب سفيرها للتشاور، مشيرا إلى أن منحى العلاقات بحاجة لتصويب، كى لا يكون هناك تأثيرات سلبية على الشعبين. كما تراجعت حدة الحملة الإعلامية السوداء بحق السودان، والتي تصاعدت حدتها الأسبوع الماضي، وشهدت انحطاطا في الهجوم على السودان.

وجاءت تصريحات “شكري” والتي يعتبرها مراقبون خطوات للخلف من أجل عدم التصعيد، متزامنة مع تأكيده أن حكومته لم تتلق ردا من إثيوبيا بشأن مقترحات حول مشاركة البنك الدولي في المفاوضات الثلاثية بشأن سد النهضة.

وبحسب مراقبين فإن تراجع نظام العسكر عن التصعيد ووقف حدة الهجوم الإعلامي على السودان، جاء بعد خطوات الخرطوم التصعيدية من جهة، وتزامنا مع تجاهل أديس أبابا لمقترحات حكومة العسكر، وهو ما يفرض على نظام العسكر التهدئة مع السودان والعمل باستمرار على محاولة كسب دعمه في المفاوضات مع أديس أبابا التي تتعامل بقدر واضح من الاستعلاء على النظام الحاكم في القاهرة.

وفي ظل تصاعد الخلاف بين القاهرة والخرطوم، يرى مراقبون أن المستفيد الأول من كل هذا الخلاف هو إثيوبيا، التي تمضي على قدم وساق في أعمالها لتشييد سد النهضة، في حين يشتبك شريكاها العربيان في القضية في خلافات تبدو بلا نهاية.