مجانية التعليم حلم كل فقير وكل غلبان فى مصر من أجل الترقى فى السلم الاجتماعى وتحقيق ذاته ووجوده بين أبناء المجتمع "الذوات".. ومع إقرار المجانية منذ العهد الملكى نجح الكثير من أبناء الفقراء والمعدمين فى تحقيق درجات علمية واجتماعية كان من المستحيل الوصول إليها بدون مجانية التعليم.

لكن يدور الزمان دورته وتعود الأمور إلى الخلف فى زمن الانقلاب الدموى بقيادة عبد الفتاح السيسي الذى يتجه إلى إلغاء المجانية التى أوصلته لما هو فيه الآن وذلك خضوعا لإملاءات صندوق النقد والبنك الدولى لحرمان الفقراء من التعليم وصرح أكثر من مرة بضرورة مراجعة المجانية وقرر إنشاء مؤسسات تعليمية تحت مسميات غريبة ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب مثل المدارس الدولية كالمدرسة المصرية اليابانية وغيرها والجامعات الأهلية –اسم دون مسمى– وهى فى الأصل استثمارية أسعار الدراسة فيها لا تقل عن أسعار الجامعات الخاصة ومن أجل فرضها يتم سحب البساط من تحت أقدام الجامعات الحكومية وتفريغها من الإمكانات والكوادر العلمية وأعضاء هيئة التدريس ليضطر الطلاب وأولياء الأمور إلى اللجوء للجامعات الخاصة أو "اللى ماتتسماش" الأهلية، وفوق ذلك كله فرض نظام السيسي على طلاب الجامعات الحكومية تحمل تكلفة أى مادة أو أكثر يتم الرسوب فيها بتكلفة تتراوح من 2000 جنيه إلى 12 ألف جنيه وهى خصخصة مقنعة.

دستور الانقلاب
يشار إلى أن السيسي افتتح 4 جامعات أهلية تقرر إنشاؤها وافتتاحها دون سابق خبر، حيث استيقظ الناس ذات يوم ليفاجأوا بصدور قرار بإنشاء هذه الجامعات وهي: جامعة الملك سلمان الدولية، بمقراتها الثلاثة في مدن الطور، وشرم الشيخ، ورأس سدر، بمحافظة جنوب سيناء؛ وجامعة العلمين الدولية بمدينة العلمين الجديدة محافظة مطروح؛ وجامعة الجلالة بهضبة الجلالة في محافظة السويس؛ وجامعة المنصورة الجديدة بمدينة المنصورة الجديدة بمحافظة الدقهلية.

وكان السيسي قد أقر قانوناً في أغسطس 2019، ينظم إنشاء جامعات أهلية، حيث لم يكن قانون تنظيم الجامعات الحكومية رقم 49 لسنة 1972 يسمح بأن تتبع الجامعات الجديدة أي جامعة حكومية، وسعت وزارة التعليم العالي بحكومة الانقلاب إلى استحداث القانون ليسمح للجامعات الحكوميّة بتأسيس فروع أو جامعات أهلية وأن يكون ذلك بالشراكة مع جامعات عالمية، وزعمت الوزارة أن دولة العسكر ستقوم بدعم هذا المشروع على أن تقوم الجامعات الأهلية فيما بعدُ بتسديد ما قدَّمته الدولة لها على مراحل.

هذه التوجيهات السيساوية جعلت طارق شوقي وزير التربية والتعليم الانقلابى يسلك طريق التطبيل للعسكر ويدعو إلى «مراجعة قضية المجانية»، زاعما أن «المجانية» في قطاع التربية والتعليم، تحقّق «ظلماً وليس عدلاً اجتماعياً».

وهذه التصريحات سواء من السيسي أو شوقى تتناقض مع الدستور الانقلابى الذي ينص في مادته التاسعة عشرة على أن «التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية المصرية، والحفاظ على الهوية الوطنية… وتكفل الدولة مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية، وفقاً للقانون. وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4 في المائة من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية.

أكذوبة كبرى
من جانبه يقول الدكتور محمود خليل عميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة القاهرة: من المزاعم غير الصحيحة التى تم ترويجها وانطلت على الكثيرين أن انقلاب 23 يوليو هو الذى أقر مجانية التعليم وجعله حقا لكل المصريين مؤكدا أن 23 يوليو لم تقر المجانية سوى فى التعليم الجامعى، أما التعليم المدرسى بجميع مراحله فقد كان مجانياً فى مصر الملكية (قبل 1952).
وأشار خليل فى تصريحات صحفية الى أن الدكتور طه حسين ذكر فى أحد لقاءاته التليفزيونية أنه لما عرض على الملك مسألة جعل التعليم الجامعى حقاً مجانياً للمصريين مثل الماء والهواء ضحك وقال له إنه يريد نشر الشيوعية. وذكر حواراً دار بين الأمير محمد على والنحاس باشا حول مجانية التعليم الجامعى، قال فيه الأمير: إذا كان طه حسين يريد نشر التعليم الجامعى بين الجميع فمن يخدمنا فى بيوتنا؟. فردَّ عليه النحاس قائلاً: إنك راجع من أوروبا هذه الأيام ومؤكد أنك كنت تُخدم فى الفندق من جانب أشخاص تعلموا، فردَّ عليه الأمير قائلاً: إن كان كذلك فلا بأس.

ووصف ما يتردد عن إن 23 يوليو هى التى منحت الفقراء المصريين حق التعليم المجانى فى كافة مراحله بأكذوبة كبرى مؤكدا أن هذا الكلام عار تماماً من الصحة، لأن مجانية التعليم المدرسى كانت مقررة بشكل كامل قبل انقلارب جمال عبد الناصر وفى عهد حكومة أحمد نجيب الهلالى باشا تم إقرار مجانية التعليم الابتدائى، ثم اتخذ الدكتور طه حسين قراراً بمجانية التعليم الثانوى والفنى. ويعنى ذلك أن التعليم المدرسى فى كل مراحله كان حقاً للجميع مثل الماء والهواء قبل يوليو 1952، وكان الاستثناء هو التعليم الجامعى، حيث كانت المجانية تُمنح للمتفوقين فقط.

المطبلاتية
وأكد أحمد سمير سامي -كاتب صحفى- أن التعليم لم يعد مجانيًا؛ مشيرا الى أن مصروفات الدراسة، والدروس الخصوصية، والكتب الخارجية، والأدوات المدرسية، وغير ذلك مما تتطلبه سنوات التعليم تؤكد أن الأسرة تنفق على التعليم أكثر من إنفاقها على أمور أخرى ضرورية كالصحة والملابس، كما أن مصروفات الدراسة وأدواتها ترتفع بارتفاع أسعار الخدمات والأدوات، مثل الطباعة ووسائل النقل والكهرباء.

وأشار إلى أن تصريحات المطبلاتية من الإعلاميين والشخصيات العامة حول مجانية التعليم، تخدم على توجهات السيسي لالغاء مجانية التعليم من ذلك تصريحات المطبلاتي عمرو أديب الذي قال: إن وصف التعليم بالمجاني مجرد نكتة وأضاف: أنا مش مهتم بتعليم الملايين، أنا مهتم بتعليم مجموعة قليلة من البشر تقود الأمة… أنت كدولة عاوز تصرف على الأجيال والأطفال ربنا معاك.
وقال سامى فى تصريحات صحفية هناك أيضا تصريحات مصطفى الفقي، مدير مكتبة الإسكندرية، الذي زعم مرارًا أن الدولة تنفق على الطلاب للحصول على شهادة «علشان يروحوا يتجوزوا بيها» كما زعم أن الجامعات أفرزت ملايين العاطلين بسبب التعليم المجاني،متسائلاً: هـل مصر تحتاج إلى تعليم للجميع؟ أليس الأفضل أن نركز مسألة تلقي التعليم الحكومي في مجموعة معينة من الشعب… بدلاً من إهدار مواردنا وجهودنا في تعليم الجميع دفعة واحدة؟ وفق تعبيره.

وأوضح أن خطط وزير التعليم الانقلابى تستهدف تغيير عقلية المصريين فيما يخص مجانية التعليم، فهو يزعم أن النظرة إلى التعليم المجاني كحق مكتسب آن لها أن تنتهي، لذا ينادي بإلغاء المجانية، ويرى أن دولة العسكر مُطالبة بتفسير معنى مجانية التعليم المنصوص عليها في الدستور بزعم أن أولياء الأمور يعلمون أن التعليم ليس مجانيًا، وبيتخرب بيتهم بسبب الدروس الخصوصية ومصروفات المدارس، وما زلنا نضحك على أنفسنا بمجانية التعليم الذي هو ليس مجانيًا في الأساس.
وأكد سامى أن الإحصاءات الدولية التي رصدت التعليم المصري لم تتهم المجانية بتدني مستوى التعليم، إنما اتهمت تدني مستويات الإنفاق على التعليم، وهو ما جعل مصر تحتل المركز 141 من إجمالي 140 دولة (أي خارج التصنيف) في مؤشر جودة التعليم 2014، والمركز قبل الأخير عام 2015، والمركز 135 عام 2016، وفي 2017، احتلت المركز 100، من بين 137 دولة.

وأشار الى أن تدني الإنفاق على التعليم يُعد أمرًا مفصليًا، ناتج عن قلة الإنفاق، وليس المجانية مؤكدا ان وزير  التعليم الانقلابي اعترف بأن الأجور تلتهم أكثر من 85% من ميزانية الوزارة؛ بمعنى أن أقل من 15% فقط هو حجم الإنفاق على العملية التعليمية بكل مراحلها ومتطلباتها.

فكرة قديمة
وقالت  بثينة عبدالرؤوف، خبيرة تربوية، إن الجامعات الأهلية التي أعلنت عنها دولة العسكر مؤخرًا  ليست فكرة جديدة بل فكرة قديمة، مؤكدة أن جامعة القاهرة كانت في الأساس جامعة أهلية.
وأوضحت بثينة فى تصريحات صحفية أن الجامعة الأهلية تعني أن يقوم المجتمع المدني بجمع وتوفير المال اللازم لبناء هذه المؤسسة التعليمية على أن تقدم خدماتها بطريقة شبه مجانية

وكشفت أنه قبل انقلاب 23 يوليو 1952 كان الأهالي ينشئون المدارس على نفقاتهم الخاصة لتعليم أبنائهم. مؤكدة أن الجامعات الأهلية من المفترض أن تقدم خدمامتها للمجتمع إما بمنح مجانية أو شبه مجانية، مشيرة الى أن ما تم الإعلان عنه بشأن الجامعات الأهلية هو جامعات خاصة في الأصل وليس لها علاقة بالأهلية.
واستبعدت نجاح هذه الجامعات الأهلية من الأساس لكونها مجرد مسمى فقط فهي جامعات خاصة لا يستطيع دخولها أصحاب الدخول المتوسطة، مؤكدة أن هذه الخطوة مجرد حلقة لاستكمال خصصة التعليم في مصر وإلغاء المجانية.

استثمارية
وأكد الدكتور كمال مغيث الخبير بالمركز القومى للبحوث التربوية أن جامعات عبد الفتاح السيسي استثمارية وليست أهلية متسائلا لا أعرف من أشار على السيسي بتسمية الأربع جامعات التى افتتحها الأسبوع الماضى بالجامعات الأهلية؟

وقال مغيث فى تدوينة على حسابه بموقع التواصل الاجتماعى فيس بوك : ان الجامعات الأهلية –كما يبدو من اسمها- هى تلك الجامعات التى يقوم الأهالي بانشائها بإرادتهم الحرة وبأموالهم الخاصة وأوقافهم، فى ضوء القانون العام فقط وبعيدا عن هيمنة الحكم والحكومة، كما حدث بالضبط فى أول القرن العشرين عندما سعت الحركة الوطنية لتأسيس الجامعة المصرية بعيدا عن كرومر وقبضته القوية، حتى أن سعد زغلول استقال من مجلس إدارتها لتعيينه وزيرا للمعارف فى وزارة مصطفى فهمى باشا 1906، مؤكدا أن هذه هى الجامعة الأهلية كما نعرفها وكما عرفها الوطنيون المصريون.

وتساءل مغيث: لماذا أطلقوا عليها جامعات أهلية وهى ليست أهلية باى حال، وما هى العلاقة بين الملك السعودى سلمان وأهلنا المصريين؟ وكيف تقيم دولة العسكر جامعات تتقاضى مصروفات تتراوح بين 98 و38 ألف جنيه سنويا والمفروض أنها تعمل وفق دستور أقسمت على احترامه، ينص فى مادته 19 على أن تكفل الدولة مجانية التعليم بمراحله المختلفة.

وتابع: إذا كانت دولة العسكر تستثمر المليارات فى تلك الجامعات فهل معنى ذلك أنها أدارت ظهرها لجامعاتنا الحكومية التى تعانى الفقر حتى خرجت جميعها من جداول الخمسمائة جامعة الكبار فى العالم، مستنكر تجاوز القائمين عليها مأزق توجيه تلك الاستثمارات – وهى أموال الشعب وثروته الوطنية لا ينبغى أن تنفق إلا فى مشروعات النفع العام – نحو تلك الجامعات الاستثمارية المقصورة على نفر من أبناء الأثرياء. محذرا من تفريغ الجامعات الحكومية من خيرة كوادرها وأساتذتها من خلال منح ما يسمى بالجامعات الأهلية مرتبات هائلة لأعضاء هيئة التدريس بها بهدف جذب اساتذة الجامعات الحكومية.

Facebook Comments