خريف الطغاة مختلفٌ عن خريف الناس العاديين، إذ في الغالب يمثل الخريف للبشر الأسوياء وقتًا للكمون والهدوء، بعضُهم يستقبله بسكون وجل، بعد صخب الصيف، وآخرون يرونه أكثر أوقات السنة رومانسيةً وتأملًا.

أتوقف عند سلوك عبد الفتاح السيسي في الخريف منذ العام 2014 عقب اختطافه السلطة، ووصوله إلى الحكم فوق بحر من دماء ضحاياه، ونهر من العبط والبلاهة المصنوعة في أتباعه ومؤيديه، فأجد توحشًا مجنونًا، يعبر عن رعب من الثورة عليه أو حتى معارضته.

في مثل هذا الوقت من العام 2014، كتبت عن"خريف السيسي وخرفانه" راصدًا الآتي:

لا تختلف أجواء القاهرة، هذه الأيام، عن أجواء سبتمبر 1981، إذ تتلاحق ضربات نظام يتحرّك عشوائياً كثور هائج في مدينة من الزجاج، يقتل ويسجن ويصادر حياة الجميع، كي يستقر في السلطة، محاطاً بمجموعة من السفاحين، يمارسون أحط أنواع العنصرية تجاه من يعترض على فاشيتهم غير المسبوقة.

في الإعلام، ترتد مصر إلى زمن "وزارة الإرشاد"، حيث يسلم المعنيون بالصحافة حريتهم وحرية الكلمة، كما تسلم الشياه رؤوسها للذبح.

ويدهشك، هنا، أن بعضاً ممن كانوا ضحايا لخريف السادات، في سبتمبر/ أيلول 1981، يمارسون في خريف السيسي دور الجلاد والقاتل والمخبر، في تجسيد نادر لتلك "السادومازوخية" التي تحدث عنها أستاذ الفلسفة، إمام عبد الفتاح إمام، في كتابه المهم "الطاغية".

يصيبك بالغم، مثلاً، أن محمد حسنين هيكل وزير إرشاد عبد الناصر والسادات، والذي كان أحد ضحايا خريف 1981، يبدو الآن مشرفاً وموجهاً ومرشداً أعلى لخريف 2014 الذي تتساقط معه كل أوراق ربيع الثورة المصرية، بل يتعدّى الأمر ذلك للعمل بكل همّة لقطع الأشجار.

النخبة التي تملقت ثورة يناير هي ذاتها التي تُنشب مخالبها وأنيابها فيها الآن، خوفاً من الطاغية، أو طمعا في عطاياه، من دون أن يستشعر أحدُهم عاراً، وهو ينقضّ على كل ما بشر به، وزعم النضال من أجله.

وإذا كان مونتسكيو فيسلوف الثورة الفرنسية يعرّف الطاغية بأنه "ذلك الذي يقطع الشجرة لكي يقطف ثمرة"، فإن ما يجري، الآن، ليس قطعاً للأشجار طلباً للثمار، بل طلبا للدمار والإبادة، والحصول على أخشابٍ لإبقاء المحرقة مستعرة، تنتظر المعارضين والمعترضين. وفي الحياة العامة، تتحول مصر إلى "قشلاق"، أو معسكر اعتقال ممتد بطولها وعرضها، ومن لا يرضى بالمعتقل، عليه أن يختار مكانه في المقابر الجماعية لنظام الإبادة الجماعية.

بعد ذلك بثلاثة أعوام، وتعليقًا على اعتقال قوات أمن السيسي المناضل اليساري العجوز، كمال خليل، قلت إن الرسالة باختصار: ليس مسموحاً لأحد بتذكّر واستدعاء "يناير" في عز "يونيو". وليس مسموحاً بالمعارضة في هذا المكان، وذلك تدشيناً للمرحلة الأخطر والأكثر جنوناً من خريف عبد الفتاح السيسي، الذي طال بشكل لافت، يتجاوز في فظاعاته وانتهاكاته خريف أنور السادات الأخير، فحين تصل قبضة البطش إلى شخصياتٍ بحجم كمال خليل والسفير معصوم مرزوق، فهذا يعني أن النظام دخل مرحلة هيستيرية من الاستبداد، تعكس ذعراً حقيقياً من استشراف النهاية.

والحاصل أن نظام السيسي، الغارق في ساديّته، انتقل من مرحلة "فقء عيون المجتمع" التي شملت الصحافة والمنظمات الحقوقية إلى مرحلة قطع الألسنة واستئصال الحناجر، ويتوقع معها أن تصبح مصر معسكر اعتقال كبير، يمتد بطولها وعرضها، فيما يشقّ الجنرال طريقه، المحفوف بالجنون على الجانبيْن، بعد أن أنجز صفقته مع السعودية، تماماً كما فعل أنور السادات في خريفه الأخير، بعد أن أنجز صفقته مع إسرائيل، وانتهى دورُه على المسرح.. وبقي كمال خليل شاهداً على عارين: عار كامب ديفيد، وعار تيران وصنافير، وإن كان الواقع يقول إنهما عار واحد ممتد.

الآن، وفي العام 2019 تعيش مصر طوْرًا أكثر جنونًا من خريف الجنرال الطاغية، إذ يتكرّر اعتقال كمال خليل (73 عامًا)، وتتحول منابر السيسي إلى مضخاتٍ للفاشية التي لا حدود لها، من خطاب إعلامي يطالب بإرسال فرق اغتيال لاصطياد المعارضين في الخارج، ويصنف كل من ينحاز إلى ضرورة التغيير، ووضع حد لهذا الجنون السلطوي القبيح "قياديًا إخوانيًا" إلى صدور دعوات لقتل المقاول الممثل الذي حفر عميقًا تحت جدران نظام يوشك أن ينقض.

لقد وصل الأمر براعي الطغاة والمستبدين، دونالد ترامب، أن يصف السيسي بأنه "الدكتاتور المفضل" بالنسبة له، بعد أن كان، فقط "القاتل اللعين"، غير أن هذا لا يعني أن البيت الأبيض سيبقى في حماية الجنرال إلى ما لا نهاية، وأذكرك بما جرى في 2011، حين اجتمع أوباما ورئيس حكومة الاحتلال الصهيوني في البيت الأبيض للبحث في حماية حسني مبارك من السقوط، ومع ذلك سقط مبارك، لأن شعبًا أصر على ضرورة التغيير.

صحيح، لسنا بصدد يناير، لكنها أجواء ينايرية في عز الخريف.

Facebook Comments