الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الحكومة السودانية عبدالله الحمدوك الجمعة 23 أكتوبر 2020م تناول خلاله الوضع المتعلق بأزمة "سد النهضة"، محذرا من أن الأمر قد ينتهي بقيام المصريين بتفجير السد. وقال مخاطبا حمدوك، إن الإثيوبيين "توصلوا إلى اتفاق حول السد، لكنهم خرقوا الاتفاق ولا يمكنهم أن يفعلوا ذلك".

هذه التصريحات دفعت آبي أحمد رئيس الحكومة الإثيوبية إلى إبداء مزيد من العناد والاستعلاء، مصرحا بأنه "لا توجد قوة" يمكنها أن تمنع بلاده من تحقيق أهدافها التي خططت لها بشأن سد النهضة. وقال آبي أحمد في بيان إن "النهضة سد إثيوبيا، والإثيوبيين سيكملون هذا العمل لا محالة، ولا توجد قوة يمكنها أن تمنعنا من تحقيق أهدافنا التي خططنا لها، لم يستعمرنا أحد من قبل، ولن يحكمنا أحد في المستقبل".

 

مستقبل العلاقات المصرية الإثيوبية

هذا السجال الذي جرى دفع الكثيرين إلى التساؤل حول مستقبل العلاقات المصرية الإثيوبية؛ وهل بإمكان نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي أن يشن حربا على أديس أبابا وتفجير السد من أجل حماية الأمن القومي المصري المهدد بالفعل؟ وهل تملك مصر القدرات العسكرية التي تمكنها من شن مثل هذا الهجوم؟ وما مآلات مثل هذا العمل العسكري على مستقبل مصر والمنطقة بشكل عام؟

وقبل شهور، هدد نائب رئيس هيئة الأركان الإثيوبي الجنرال برهانو جولا الجانب المصري بتصريحات في صحيفة "أديس زمان" الأمهرية، مؤكدا أن «بلاده ستدافع عن مصالحها حتى النهاية في سد النهضة». وأضاف العسكري الإثيوبي أن الحرب والانتصار في مشكلة سد النهضة ليس بامتلاك السلاح، وإنما "بمن يمتلك خبرة الحروب وفنياتها". مشددا على أن "جميع مفاتيح النصر في أيدي الإثيوبيين، وأن على المصريين أن يعرفوا أنه لا يمكن تخويف إثيوبيا، وأنه مهما حدث لن تستطيع القوات المصرية أن تدخل الأراضي الإثيوبية وتتحكم في مياه النيل»، على حد تعبيره.

ويرى عضو مفاوضات دول حوض النيل سابقا، وخبير القانون الدولي للمياه السوداني، الدكتور أحمد المفتي، أن "بدء ملء سد النهضة الإثيوبي يعني تصعيد الأزمة بنسبة 100%، حيث إن أديس أبابا بتلك الخطوة لا تترك أي خيار للسودان ومصر، إلا المواجهة أو الاستسلام، ولا توجد أي خيارات أخرى".

وبشأن فرص اللجوء للخيار العسكري، أضاف أن الخيار العسكري لم يكن سهلا منذ البداية، لكن عندما يمتلئ السد بالفعل سيصبح الأمر أكثر صعوبة، وأكثر خطورة، وأنه "بعد الملء الكامل للسد سوف تكون هناك خطورة كبيرة على السودان، وبالطبع ستأخذ مصر تلك الخطورة في الاعتبار حال لجوئها للخيار العسكري".

 

حرب مياه إقليمية!

وبحسب دراسة نشرها موقع "الشارع السياسي" في يونيو 2020م بعنوان: « الوجود العسكري المصري في جنوب السودان.. هل تقف المنطقة على أعتاب حرب مياه إقليمية؟»، فإن مصر لا تملك خيارا آخر إلا اللجوء لعمل عسكري لتدمير سد النهضة إذا ما بدأت أديس أبابا في حجز المياه؛ لأن ذلك يمثل عدوانا صارخا وتهديدا مباشرا للأمن القومي المصري. وبالتالي فإن سيناريوهات العمل العسكري يمكن أن تدور حول المسارات الآتية:

الأول: دعم الجماعات الانفصالية المسلحة لشن هجمات بالوكالة على الحكومة و«سد النهضة». ولن يكون إيجاد مثل هذه الجماعات أمرًا صعبًا، فهناك أكثر من 12 جماعة مسلحة في إثيوبيا. بعضهم يعمل على قلب نظام الحكم، والآخر يهدف إلى إقامة دولة مستقلة. يبدو أن المخابرات المصرية قد حاولت استخدام هذا الخيار، إذ أعلنت إثيوبيا، في مارس الماضي، عن تصديها لهجوم مسلح استهدف «سد النهضة»، وقالت إن المسلحين ينتمون إلى «حركة 7 مايو» المعارضة والمحظورة. كما أعلنت أديس أبابا أيضًا، في أواخر يوليو الماضي، عن نجاح السودان في توقيف مجموعة مسلحة قالت إنها تحركت من إريتريا لاستهداف «سد النهضة». ورغم أن القاهرة لم تتهم مباشرة بالوقوف وراء هذه التحركات، إلا أن اتهامات غير رسمية وجهت إليها.

الثاني: التدخل العسكري المباشر. إما عبر توجيه ضربة عسكرية بالطائرات أو بصواريخ موجهة أو بعل كوماندوز وقوت خاصة. مع الوضع في الاعتبار التفوق الكاسح للقوات المسلحة المصرية التي تحتل المرتبة الـ9 عالميا في تصنيف الجيوش وفق تصنيف "جلوبال باور فاير"، بينما يحتل الجيش الإثيوبي المرتبة الــ41. والقوات العاملة بالجيش المصري تبلغ 454 ألفا وفي إثيوبيا 162 ألفا فقط. وميزانية الجيش المصري 4.4 مليار دولار والجيش الإثيوبي 340 مليون دولار فقط. لكن ثمة عقبات تحُدّ من قدرة الجيش المصري على شن هجوم على إثيوبيا.

 

عقبات أمام التدخل العسكري

وبحسب الدراسة فإن هناك 6 عقبات تحول دون قدرة مصر على تنفيذ هجوم عسكري على السد؛ أبرزها بُعد المسافة بين مصر وإثيوبيا التي تتجاوز 2500 كلم، وهو ما ينعكس بالتالي على اختيار الطريقة التي ستتم بها مهاجمة السد، فرغم تفوق مصر على إثيوبيا عسكريا كمًّا ونوعًا، فإن الطائرات المقاتلة التي تمتلكها مصر لا يمكنها الطيران كل هذه المسافة دون التزود بالوقود. بخلاف عقبة اجتياز الأجواء السودانية أو دول الحدود مع إثيوبيا وعلى الأرجح فإن الحكومة السودانية وحكومات هذه الدول لن تسمح بمثل هذا العبور؛ باعتباره إعلان حرب وخوفا من ردة الفعل الإثيوبي. ووفقا للدراسة فإن توقيت ضرب السد بالغ الأهمية؛ لأن تفجيره بعد ملء خزانه سيكون له آثار كارثية على دول جوار إثيوبيا ومن بينها السودان الذي قد يتعرض للفيضان الناجم عن انهيار السد، الذي قد يصل إلى مصر، لذلك فإن الأنسب هو ضرب السد في مراحل بنائه الأخيرة وقبل ملء الخزان، بحيث تصبح إعادة بنائه شبه مستحيلة.

Facebook Comments