الصادم في المشروعات التي جرى الإعلان عنها بين الإمارات والاحتلال الصهيوني في أعقاب اتفاق التطبيع بين الجانبين، والتي تستهدف نقل النفط الخليجي من إلى ميناء إيلات ثم حيفا وصولا إلى أوروبا، ليس الخسائر التي ستلحق بقناة السويس وتفضي إلى تراجع إيرادتها السنوية باعتبارها أحد مصادر الدخل القومي، لكن هذه المشروعات الإماراتية الصهيونية من شأنها أن تهدد مصالح مصر وأمنها القومي لعقود طويلة. علاوة على ذلك فإنها تبدد أحلام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي بتحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة؛ كما صرح هو بذلك في أعقاب توقيع اتفاق استيراد الغاز من الاحتلال في فبراير 2018م بعقد يمتد إلى 15 سنة بقيمة 19 مليار دولار؛ وهو الاتفاق الذي وصفه بنيامين نتنياهو بالعيد الكيان الصهيوني.

الأكثر صدمة أن هذه المشروعات التي تهدد الأمن القومي المصري؛ سوف تقام على أراض مصرية وتمر عبر مياه مصرية بتواطؤ غير مسبوق من قادة الحكم العسكري في مصر الذين فرطوا في تراب مصر الوطني وسيادتها على جزء من أراضيها ومياهها الاقتصادية؛ لحساب الأجندة الأمريكية التي تستهدف إعادة هندسة وتصميم المنطقة بما يجعل من الكيان الصهيوني قوة إقليمية قائدة في ظل توجهات أمريكية بالانسحاب وترك وكيلها "الكيان الصهيوني" ليقوم بدور الشرطي والحارس لمصالح واشنطن والغرب في سياق تحالف أمريكي صهيوني عربي يضمن تفوق الكيان الصهيوني وحماية النظم العربية والمصالح الأمريكية.

أولا، ترتبط كل هذه المشروعات بميناء "إيلات" وهو بالأساس ميناء "أم الرشراش" المصري الذي جرى احتلاله من جانب الكيان الصهيوني سنة 1949م. في أعقاب هزيمة الجيوش العربية سنة 48م. حيث انتهت هذه الحرب بهدنة "رودس" سنة 49 وبعد أسبوعين فقط خرق الكيان الصهيوني الهدنة واحتلّت قوات صهيونية بقيادة إسحاق رابين الذي أصبح فيما بعد رئيسا لحكومة الاحتلال، منطقة أمّ الرشراش المصريّة التي تحتوي على منطقتي طابا وأم الرشراش التي سمّتها الكيان الصهيوني ميناء إيلات، المطلّ بالطبع على خليج العقبة. وقد أقيمت مدينة إيلات في عام 1950. وقضت قوات رابين على كل الجنود المصريين الذين كانوا يدافعون بأسلحة خفيفة عن طابا وأم الرشراش وعددهم 350 ضابطا وجنديا. وعندما جرى انقلاب 23 يوليو 1952م تواطأ الضباط ولم يبذلوا أي جهد لتحرير أم الرشراش واكتفى الدكتاتور جمال عبدالناصر بالتأكيد على أن أم الرشراش مصرية وتيران مصرية. ولولا ذلك لما أصبح للاحتلال ميناء على خليج العقبة والبحر الأحمر ولأصبح "الكيان الصهيوني" محاصرا من الجنوب بحدود برية عربية.

ثانيا، في إبريل 2016م، تنازل الطاغية عبدالفتاح السيسي عن جزيرتي "تيران وصنافير" للمملكة العربية السعودية في صفقة حصل فيها السيسي على حفنة مليارات من الدولارات بخلاف تأمين مد مصر بالنفط لعدة سنوات بما يساوي نحو 23 مليار دولار. ورغم الحكم النهائي والباتّ من المحكمة الإدارية العليا بمصرية الجزيرتين إلا أن السيسي أصر على التفريط في تراب مصر الوطني للسعودية، وهو القرار الذي استفاد منه الكيان الصهيوني أكثر من غيرها؛ لأن مضيق تيران كان مضيقا محليا تتحكم فيه مصر باعتباره جزءا من أراضيها ومياهها الاقتصادية، وبالتفرط في الجزيرتين بات مضيق "تيران" ممرا مائيا دوليا لا يحق لمصر غلقه أمام الملاحة الدولية وهو ما يسمح حاليا بمد مشروعات بين الإمارات والاحتلال أو بين السعودية والاحتلال عبر مياه مصر الاقتصادية إلى ميناء "إيلات" الصهيوني وهو بالأساس ميناء "أم الرشراش" المصري المحتل.

ولولا تفريط الدكتاتور جمال عبدالناصر في "أم الرشراش". وتفريط الطاغية عبدالفتاح السيسي في "تيران وصنافير" لما أصبح للاحتلال مؤطئ قدم في خليج العقبة ولا البحر الأحمر ولأصبحت مصر أكثر قدرة على مواجهة المشروعات الجارية التي تهدد مصالحها وأمنها القومي.

تعزيز مكانة الاحتلال
هذا التوجه الصهيوني وفقا لأستاذ الاقتصاد بالجامعة العربية الأمريكية نصر عبدالكريم يفوق الجوانب الاقتصادية ليصبح ذا أبعاد استراتيجية، فالكيان الصهيوني يسعى لإعادة التموضع في المنطقة، بما يحقق له المميزات والمكاسب على المدى الطويل. وبالتالي فإن إعادة تشغيل خط النقل النفطي إيلات-عسقلان تمنح تل أبيب النفوذ السياسي والسيطرة على موارد الغاز ومياه شرق المتوسط، وخطوط النقل والمواصلات والاتصالات، مما يؤهلها لوضع نفسها في مكان مميز على خريطة المنطقة. كما أن (الكيان الصهيوني) سيكون الأكثر استفادة من الناحية الجيو-سياسية، لأن الخط يمنحه موطئ قدم عسكري أمني في المنطقة، ويعمق مصالحها مع باقي الأطراف، ولأنه يتطلب توفير احتياجات أمنية لتوفير سلامة النقل، وما يشمله من إجراءات الحراسة والحماية، فهو يحقق المزيد من المصالح الأمنية الكيان الصهيوني في المنطقة والعالم.

والأخطر هنا هو محاولة تل أبيب ربط حقول بقيق، مخزن النفط السعودي وأكبر حقل لإنتاج النفط في المملكة، بميناء إيلات الواقع على ساحل البحر الأحمر، وبالتالي نقل نفط المملكة من المنطقة الشرقية بالسعودية إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، عبر خط بري طوله 700 كلم، يتم ربطه بخط "إيلات عسقلان". وخط إيلات – عسقلان، ثم خط بقيق – إيلات، هما الأخطر بالنسبة لمصر لأنهما يهددان بشكل مباشر قناة السويس، ويفقدان مصر ليس فقط 6 مليارات دولار تحصدها سنويا عن رسوم المرور، ولكنهما يهددان مشروعات تنمية إقليم السويس وإعادة تعمير سيناء ومئات الآلاف من فرص العمل، كما يهددان موانئ مصر سواء الواقعة على البحر الأحمر والتي تسهم الإمارات في إدارة بعضها مثل ميناء السخنة الذي تديره موانئ دبي، أو الموانئ الأخرى الواقعة على البحر المتوسط سواء في السويس أو بورسعيد أو الإسكندرية أو دمياط.

وبحسب صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية فإنه يجري حاليا دراسة إمكانية فتح معبر بحري مباشر للحجاج المسلمين من حملة الجنسية الصهيونية من ميناء إيلات إلى جدّة في السعودية مباشرةً. وفي الكواليس قام وفد إماراتي برئاسة الرئيس التنفيذي لشركة موانئ دبي العالمية مع رجال أعمال إماراتيين بزيارة لميناء إيلات (أم الرشراش المحتلة)، وقد وقّعت شركة موانئ دبي عقدًا للعمل في ميناء حيفا في الكيان الصهيوني؛ وهو المشروع الذي يمثل خطرا استراتيجيا على المصالح المصرية ممثلةً في الخطر الأكبر على قناة السويس.

وقد اعترف رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع بهذه الأضرار مؤكدا أن القناة أصبحت أمام تحديات وجود منافس بري أقل كلفة، وتأكيده أن الخط "من الممكن أن ينقل النفط إلى أوروبا.." وأن هناك ترتيبات إقليمية تمس الأمن القومي المصري. وبنبرة العاجز، أقر بوجود ما وصفها بـ"تداعيات محدودة"، مبديا تخوفه من تركيز البضائع الخليجية في يد الكيان الصهيوني، قائلا: "نراهن ونعتمد على العروبة في أن تكون التجارة البينية مع الكيان الصهيوني قائمة على عدم التأثير على قناة السويس بشكل كبير". وكان نظام السيسي قد أهدر نحو 8.5 مليار دولار سنة 2015م على إنشاء تفريعة جديدة للقناة رغم التحذير من عدم جدواها اقتصاديا، حيث لم تحقق القناة أي زيادة في مواردها على الإطلاق.

Facebook Comments